فمن هذه الجهة قد ورد ما يدلّ على أن من توسل إلى اللَّه بهاتين الكلمتين وكررّهما - وفي رواية مأة مرّة - يرفع اللَّه عنه الشدّة .
وهذا الختم لرفع الشدائد ، عند أهل القلوب مشهور ، ولعلّ السر في ذلك ان رفع الهم والغم من الإنسان نعمة ايضاً . فينبغي ان يقول العبد عند الشدائد يا رؤوف يا رحيم مأة مرّة ، ويستيقن الإجابة سيما للهموم والغموم المعنوية .
الثاني : ان كلمة الرحمن وكلمة الرحيم وان كانتا من أسماءه العُلى واشتقّتا من صفة الرحمة فهما مترادفتان ، الا انهما افترقتا ، سيما إذا اجتمعتا - كما أشرنا في اوّل البحث - .
ويراد من الرحمن الرحمة العامة للناس كلهم من الكافر والمؤمن والفاسق والصالح بل للأشياء كلها من الجواهر والاعراض بل لعالم الوجود كلها ، فلذا اشتهر ان كلمة « كُن » الوجودية - « إذا أراد اللَّه شيئاً ان يقول له كن فيكون » - هي كلمة الرحمن ، وقد مر في صدر البحث تقريب ذلك .
ويراد من الرحيم الرحمة الخاصة لعباده الصالحين ، وبعبارةٍ أوفى ، يراد منه العناية الخاصة بهم وبهذا المعنى ورد قوله تعالى في نعت رسوله الأكرم الّذي كان مظهر الرحمن والرحيم معاً :
« لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم » . « 1 »
فهو مظهر الرحمن لكل من المؤمن والكافر ومظهر الرحيم للمؤمنين فقط .
ومما ذكرنا يظهر ان اللَّه تعالى رحمن في الدنيا والآخرة بالنسبة إلى المؤمن والكافر ورحيم في الدنيا والآخرة بالنسبة إلى المؤمن فقط ، فما يترائى من بعض الكلمات من تفسير الرحمن ، بان اللَّه يرحم في الدنيا بالنسبة إلى المؤمن والكافر وفي تفسير الرحيم بان اللَّه
هامش
( 1 ) - التوبة / 128