تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
وان تعجّبت من قولنا ، ويثقل عليك قبول السير والتواريخ ، ولا يقبل قلبك ما فسّرنا به الآيات ، فانظر إلى زماننا هذا ، ودأب الدول العظمى والدول الصغار ، فترى بالعينين ما قلنا في أحوال المستثمرين وأحوال المهينين الذليلين ، والعيان اظهر بمراتب من البيان . هذا قطرةٌ من بحر فضائح هذه الرذيلة ، ولكن مع الأسف يبتلى الإنسان بها ، وشيوعها فيهم أزيد من شيوع سائر الرذائل حتّى الكبر والحسد . فبهذه الرذيلة يقبل عبوديّة الشيطان والأصنام ويترك ربه الاعلى ويخالفه ويعصيه . وبهذه الرذيلة يبيع نفسه بالدنيا الدنيّة ، وزخرفها وزبرجها ويترك المقامات والكمالات النفسيّة . وبهذه الرذيلة ينسى انه مسجود الملائكة ، فيعبد الشيطان ، بل ما هو أدون منه بمراتب . وبهذه الرذيلة يبيع الجنّة ويشترى الدنيا ، بل ما هو أدون منها من الهوى فيتابعه حتّى يصدق عليه انه يعبده . قال تعالى : « أفرأيت من اتّخذ الهه هواه » « 1 » فهذه الرذيلة تنزّل الإنسان حيث تبدّل حسناته بالسيّئاتٍ ، ودينه بدنياه الدنيّة ، وقربه إلى اللَّه العلىّ بالمقام الحيواني والشيطاني ، فيصدق عليه قوله تعالى « فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث » « 2 » أمّا القرآن الكريم فينبّه اوّلًا على عموميّة هذه الرذيلة بين الناس كأنّهم جُبّلوا عليها وكأنّها فطرةٌ ثانيةٌ لهم ، وهذا في كثيرٍ من آياته المباركات : قال تعالى : « انّ الإنسان خلق هلوعا » « 3 » وقال تعالى : « قتل الإنسان ما أكفره » « 4 »
هامش
( 1 ) - الجاثية / 23 ( 2 ) - الأعرف / 176 ( 3 ) - المعارج / 19 ( 4 ) - عبس / 17