القول الثاني :
جواز العفو عنه في حقوق اللّه ، وعدم جوازه في حقوق الناس . قال مدافعوا هذا الرأي : النبيّ صلى الله عليه وآله ومن يخلف منه - إماماً كان أو فقيهاً - يجوز له أن يعفو عن المذنب في حقوق اللّه ، أمّا حقوق الناس فلا يجوز له أن يعفو منها ، لأنّه لاارتباط له بها ، بل لصاحب الحقّ أن يعفو عن المذنب ، أو يحكم بإجراء الحدّ عليه ؛
القول الثالث
- وهو مختار المشهور ، قالوا - : لو قامت بيّنةٌ على صدور الجرم عن المذنب فلا يجوز له أن يعفو منه ، أمّا إذا انحصر الدليل في اقراره بصدور الذنب منه فيجوز له العفو منه ؛
القول الرابع :
ما اختاره المفيد ، وهو : لا يجوز له العفو عنه إلّاإذا اقتضت ذلك مصلحةٌ تامّةٌ ملزمةٌ بحيث قد رجّحت على مصلحة إجراء الحدّ « 1 » .
النكتة الثانية
الظاهر رجوع الأقوال الأربعة إلى قولين الثالث والرابع ، لأنّ مآل الأوّلين إلى الأخير . وتوضيحه : أنّه لافرق بين الأوّل والرابع إلّابتقديم الضرورة على الحكم بوجوب إجراء الحدود في الرابع ؛ والضرورة حاكمةٌ على جميع العمومات والأحكام في جميع أبواب الفقه من غير خلافٍ فيه ، فالظاهر انّ القائلين بالقول الأوّل أرسلوا تقدّمها على هذا الحكم ارسال المسلّمات ، فلافرق بين القولين .
أمّا القول الثاني فلايصحّ أن يُعدَّ قولًا برأسه ، لأنّه لاخلاف أيضاً في أنّ الفقيه ينوب عن أولياء الدم - على سبيل المثال - في إجراء الحكم فيما يتعلّق بحقوق الناس ، أمّا الحكم بإجراء الحدّ أو العفو عنه فليس في مستطاع الفقيه ، بل هو في وسع الأولياء فقط . فهذا
هامش
( 1 ) . قال رحمه الله : « . . . كان للإمام الخيار في العفو عنه أو إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له ولأهل الإسلام » ؛ راجع : « المقنعة » ص 777 . وقال أيضاً : « . . . كان السلطان بالخيار في العفو عنها أو العقاب عليها حسب ما يراه في الحال من التدبير والصلاح » ؛ راجع : نفس المصدر ص 787 .