الإشكال الثّالث : لزوم الهرج والاضطراب في المجتمع
وهذا الإشكال يرجع إلى لزوم الهرج والاضطراب في المجتمع على القول بثبوت الولاية للفقيه . وتوضيحه : هب ! انّ الإمام عليه السلام قد فوّض أمر تولية المجتمع إلى الفقيه ، ولكن لاخلاف في أنّ الولاية قد فُوِّضت إلى مصاديق هذا العنوان - إذ من البديهيّ امتناع تسمية الفقهاء من عهد الإمام إلى زمن قيام القائم عليه السلام - ، فالحكم جُعل على العنوان - أي : الولاية فُوِّضت على عاتق من حاز مرتبة الفقاهة ؛ وإلى هذا يشير قول الصادق عليه السلام : « من نظر في حلالنا وحرامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً » - ؛ هذا من ناحيةٍ ؛
ومن ناحيةٍ أخرى لاخلاف أيضاً في كثرة الفقهاء بين الشيعة الإماميّة في كلّ عصرٍ ، بل في كلّ بلدٍ ومصرٍ ، ولكلّ فقيهٍ منصب الحكم ، ولا معنى لهذا إلّاتعدّد الحكّام في كلّ بلدٍ في آنٍ واحدٍ . وهذا ممّا لا يقبله العقل السليم ، إذ اللازم منه وقوع الهرج والاضطراب في المجتمع لما لكلّ واحدٍ من الحكّام من الأحكام ، فهذا يحكم بحكمٍ والآخر يحكم بحكمٍ آخر . ولايؤول هذا إلّاإلى الاضطراب فتنتفي فائدة جعل الدولة ووضعها ؛ إذ السرّ في وضعها هو انتظام الأمور ، وهو لايتمّ إلّابتوحّد الحكم والحاكم .
فلامعنى لجعل الصادق عليه السلام الولاية على العنوان .
ومن البديهيّ عدم جعله عليه السلام إيّاها على عاتق جمعٍ من الفقهاء قد خصّهم بالذكر - لامتناع تسمية الفقهاء ، لكثرتهم وبثّهم في بلادٍ شتيتةٍ - ، فإذا انتفى جعل الولاية على العنوان وعلى المخصوصين بالذكر معاً فلاجعل أصلًا ؛ لامتناع فرض صورةٍ ثالثةٍ فيه .
والجواب عنه :
إنّ هذا الإشكال صحيحٌ من ناحيةٍ ، ولكنّه ناقصٌ من ناحيةٍ أخرى ؛