وان شئت قلت ، ان الداعي الثاني يندك في الداعي الأول ويصبح بعد الاندكاك أقوى وآكد من الأول ، باعتبار ان الموجود في النفس ليس داعيين بل داع واحد لكنه أقوى منهما ، على أساس ان الداعي التشريعي أقوى من الداعي التكويني ، لأن الداعي التكويني متمثل في تنفر الطبع أو تحمل المشقة ، واما الداعي التشريعي فحيث انه يتضمن استحقاق العقوبة على مخالفته والمثوبة على موافقته فيكون تأثيره أقوى وأشد .
والخلاصة ، ان جعل الداعي التشريعي يؤكد الداعي التكويني ، سواء أكان نفسيا أم خارجيا ، والمجموع بعد الاندكاك قد أصبح أقوى واكد من الأول ، فالفعل أو الترك وان كان مضمونا وجوده في الخارج بداعي تكويني لكن ليس مائة بالمائة ، ولهذا لا يكون جعل الداعي التشريعي لغوا وبلا فائدة .
وثالثا ، ان الداعي التكويني مهما بلغ من القوة والشدة كحفظ النفس المحترمة حيث إنه نابع من صميم ذات الانسان ، لأن حب النفس ذاتي وحفظها مضمون بالداعي التكويني الموجود في صميم ذاته وان لم يكن امر به من قبل الشارع ، ولكن مع هذا لا يكون النهي عن القاء النفس في التهلكة لغوا ، لأن الداعي التكويني مهما كان قويا وشديدا لا يمنع في بعض الحالات من الانتحار والقاء النفس في التهلكة ، كما إذا ضاقت الدنيا على شخص لدرجة هو يحب الموت والخلاص من هذه الدنيا ويرجحه على الحياة فيها ، ولولا النهي من قبل المولى بحرمة القاء النفس في التهلكة وادراك العقوبة واستحقاق دخول النار عليه ، لقام بالانتحار ، ولكن نهي المولى عن ذلك وما يترتب على مخالفته من العقوبة ، يمنعه من الاقدام على قتل نفسه والقائها في التهلكة .
المباحث الأصولية — صفحة 276
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٧٦