وبالجملة فشدة علاقة الانسان بالحفاظ على نفسه وعرضه وماله وان كانت ضمانا على حفظها ولكن لا بدرجة العلة التامة ، ولهذا لا يكون النهي عن القاء النفس في التهلكة لغوا ، فإنه يؤكد على تصميم الانسان بالحفاظ عليها ويجعله أقوى وآكد مما كان عليه في نفسه وبقطع النظر عن النهي ، لوضوح انه قد تعرض على الانسان حالات يرجح الموت على الحياة ، ولولا ادراكه بان القاء النفس في التهلكة مبغوض عند اللّه تعالى ومعاقب عليها لقام بالانتحار وانهاء حياته من الدنيا ، ولكن نهي المولى عن ذلك كان يمنعه من القيام به ، ولا فرق في ذلك بين التكاليف الوجوبية والتكاليف التحريمية ، كما أنه لا فرق في ذلك بين العبادات والتوصليات .
ورابعا ، ان فائدة الامر بالفعل المضمون تحققه في الخارج عادة وطبعا وكذا فائدة النهي عن شيء يكون تركه مضمونا كذلك ، انما هي تمكين المكلف من قصد الطاعة والعبودية بمقتضى قوله تعالى (
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
الخ ) إذ لولا الامر والنهي في المسألة ، لم يكن بامكانه قصد الطاعة والعبودية الا تشريعا ، وكون الفعل أو الترك مضمونا عادة ، ليس معناه انه خارج عنه القدرة ، إذ لا شبهة في أنه مقدور عقلا وليس خارجا عنها ، ولهذا يمكن قصد الطاعة بالاتيان به أو تركه .
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة ، وهي ان دليل المشهور على أن الخروج عن محل الابتلاء مانع عن فعلية التكليف والدخول فيه شرطا لها لا يرجع إلى معنى صحيح ، وعلى هذا فخروج بعض أطراف العلم الاجمالي عن محل الابتلاء ، لا يوجب انحلال العلم الاجمالي ، لأن الركن الأول من أركان