بهذه المقدّمات الثلاث نستنتج أنّ الأمر بالسعي في الآية ليس للوجوب بل هو للاستحباب ؛ لأنّ المقدّمة الثالثة وهي عدم وجوب الحضور للخطبة على ما هو المتّفق عليه قرينة على أنّ المراد بالأمر بالسعي إلى الخطبة هو الاستحباب ؛ وذلك لأهمّية المواعظ والمعارف التي يدلي بها خطيب الجمعة سيما إذا كان الخطيب رسول الله ( ص ) ، فالآية إذاً ترغيب في الحضور لاستماع الخطبة ، ولا دلالة فيها على وجوب الحضور للخطبة ، فضلًا عن دلالتها على وجوب إقامة صلاة الجمعة .
والذي يؤيّد هذا الاستنتاج ذيل الآية ، وهو قوله تعالى :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
؛ فإنّ وصف السعي إلى الحضور للصلاة والخطبة بكونه خيراً يدلّ على الاستحباب ؛ لأنّ لفظة « خير » إنّما تستعمل للتفضيل ، فتكون دالّة على وجود عملين كلاهما راجح ، لكنّ أحدهما أشدّ رجحاناً من الآخر ، فهو إذاً خير منه . ويشهد على إرادة معنى التفضيل الدالّ على الاستحباب من الخير في الآية تتبّع استعمالات كلمة الخير في القرآن الكريم ؛ إذ نجد استعمالها في معنى التفضيل في القرآن الكريم إلّا في موارد خاصّة دلّت القرينة من الخارج على إرادة الوجوب والتعيين منها ؛ كقوله تعالى :
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
« 1 »
.
والجواب على هذا الاعتراض بوجوه :
الوجه الأول : لا منافاة بين وجوب السعي إلى الصلاة بخطبتيها بمجرّد حلول الوقت ، وبين الإجزاء في فرض عدم الحضور للخطبة كما هو الحال عند الحضور فيما قبل الركوع الأوّل من الصلاة ؛ لجواز الالتحاق بالصلاة من ركوع الركعة الأولى ، فالآية تدلّ على وجوب الإسراع إلى الخطبتين والصلاة ، والغرض منه إدراك ما يتيسّر إدراكه بالإسراع من مجموع الخطبتين
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 17 - 19 .