« كَانَ طُولُ حَائِطِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ( ص ) قَامَةً فَكَانَ يَقُولُ ( ص ) لِبِلَالٍ إِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ : يَا بِلالُ اعْلُ فَوْقَ الْجِدَارِ وَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالأَذَانِ . . . » الحديث « 1 » .
وتدلّ الروايات الكثيرة على أنّ رسول الله ( ص ) كان إذا أذّن بلال لصلاة الجمعة بدأ بالخطبتين قائماً على منبره ، فإذا انتهى منهما جلس على المنبر حتّى يقيم بلال ، فإذا أقام بدأ بالصلاة . ويدلّ على ذلك قوله تعالى :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً
، فقد اتّفقت الروايات من طرق الشيعة والسنّة على أنّ ترك رسول الله وهو قائم إنّما كان أثناء الخطبة ، فقد روى الطبرسي في مجمع البيان عن الحسن وأبي مالك قالا :
أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ جُوعٌ وغَلاءُ سِعْرٍ ، فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بِتِجَارَةِ زَيْتٍ مِنَ الشَّامِ والنَّبِيُّ ( ص ) يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامُوا إِلَيْهِ بِالْبَقِيعِ خَشْيَةَ أَنْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ( ص ) إِلّا رَهْطٌ ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ « 2 » .
فإذا كان الذمّ لمن ترك الرسول قائماً ذمّاً لمن تركه قائماً حال الخطبة ، دلّت الآية على وجوب السعي منذ أوّل وقت صلاة الجمعة لإدراك الخطبتين ، وأنّ النداء الذي جاء في الآية السابقة يقصد به الأذان المقارن لدخول الوقت ، فتدلّ الآية على وجوب السعي إلى الجمعة بمجرّد دخول الوقت ، وبما أنّ الصلاة لاتقام عند دخول الوقت بل بعد الخطبتين ، فلا يمكن أن يكون المراد بالآية عدم وجوب السعي إلّا بعدما أقيمت الصلاة ؛ لأنّ الآية تدلّ على وجوب السعي إلى ذكر الله قبل إقامة الصلاة ؛ بشهادة الذمّ لمن ترك الخطبتين ، الدالّ على أنّ الأمر بالسعي أيضاً إنّما هو أمر بالسعي إليها قبل إقامتها ، فيتعيّن أن يكون المراد بالآية : وجوب السعي لإقامة الجمعة بمجرّد حلول الزوال ودخول وقت الصلاة .
ولهذا قال الطبرسي في مجمع البيان بعد توضيحه لما ورد في تفسير الآية وشأن نزولها :
هامش
( 1 ) الكافي 307 : 3 .
( 2 ) مجمع البيان 287 : 10 .