تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
خبرة ومهارة ما ، ومعلوم أنّ بناء سفينة تجري في بحر لجّيّ ، وتحمل بشرا وبهائم وموادّ تموينيّة ، وتتعرّض لهطول أمطار غزيرة عليها كأفواه القرب ، ويتقاذفها موج كالجبال ؛ لا بدّ له من مهارة صناعيّة رفيعة جدّا ، يباشرها ذو خبرة عالية في الهندسة والبناء والتّفصيل والتّركيب ، ولا بدّ له من إحاطة بالتّوجيه والتّسديد التّامّين ، حذرا من وقوع الخلل أو الخطأ الّذي قد يودي بركّاب السّفينة إلى الغرق السّريع ، باعتبار أنّ المطلوب صنعه عمل مبتكر ، لم يخضع لتجارب ، وإنّما يصنع ليكون هو وسيلة النّجاة مباشرة بعد إتمام الصّنع . ومع أنّ نوحا عليه السّلام قد كانت له خبرة بالنّجارة ؛ إلّا أنّه لم يكن يصنع سفنا بحريّة ، ولا كان لأحد من النّاس علم بالسّفن في زمانه ، لهذا كان نوح عليه السّلام بحاجة إلى أن يوحي اللّه إليه بما يحتاج إليه لصنعها ، وأن يحاط بالعناية والمراقبة والتوجيه والحفظ من اللّه تبارك وتعالى ، دلّ على هذا قول اللّه تعالى :
بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا
أي : بعنايتنا ومراقبتنا الدّائمة لك ، ووحينا إليك بما ينبغي أن تفعله . الفلك : يطلق على كلّ مركبة بحريّة تجري في الماء ، ولفظ « الفلك » يذكّر ويؤنّث ، ويستعمل للواحد والجمع .
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ . . . :
وقرأ جمهور القرّاء : [ من كلّ زوجين اثنين ] بإضافة لفظ « كلّ » إلى « زوجين » ، أي : من كلّ زوجين من أصناف البهائم اثنين ، ولا تحمل أكثر ، فالاثنان ذكر وأنثى مع العناية الرّبّانيّة يكفيان للتّكاثر فيما بعد . والتّنوين في لفظ « كلّ » على قراءة حفص عوض عن المضاف إليه المحذوف .