ولا ينتفع من هذه الآيات الهاديات الانتفاع الأسمى إلّا من يتحلّى بصفتين جليلتين :
الصّفة الأولى : أن يكون صبّارا ، أي : كثير الصّبر على القيام بالأعمال الشّاقّة على النّفوس ، المحقّقة لمرضاة اللّه ، من فعل الواجبات والمندوبات ونوافل العبادات والقربات الخالية من الغلوّ والابتداع ، وترك المحرّمات ، والمكروهات ، وما هو خلاف الأولى ، ممّا يتقرّب بتركه إلى اللّه تعالى ، بشرط عدم الغلوّ والابتداع .
وكثير الصّبر على المصائب والمكاره ممّا يبتلي اللّه به عباده .
الصّفة الثّانية : أن يكون شكورا ، أي : كثير الشّكر لربّه على نعمه الّتي لا يحصيها العباد .
الشّكر : مقابلة المنعم على نعمه بما يرضيه من شيء ، أو عمل ، أو قول .
قول اللّه تعالى متابعا الحديث عن موسى عليه السّلام :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
( 6 ) :
نفّذ موسى عليه السّلام ما أمره اللّه به من تذكير قومه بني إسرائيل ، بأيّام اللّه ، بدليل أنّه ذكّرهم بنعمة اللّه عليهم إذ أنجاهم من آل فرعون بإخراجهم من مصر وفلق البحر لهم ، وإغراق عدوّهم وجيشه وراءهم .
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ . . . :
أي : وضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي لكلام ربّك ، حين قال موسى - عليه السّلام - لقومه بني إسرائيل وهم في التّيه ، بعد أن طال عليهم العهد منذ خرجوا من البحر بالخارقة الرّبّانيّة العجيبة .