« أوّل ما اتّخذ النّساء المنطق « 1 » من قبل أمّ إسماعيل اتّخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة .
ثمّ جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه ، حتّى وضعها عند البيت ، عند دوحة « 2 » فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكّة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابا من تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثمّ قفّى إبراهيم منطلقا ، فتبعته أمّ إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ، الّذي ليس فيه إنس ولا شيء ، فقالت له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها .
فقالت له : آللّه الّذي أمرك بهذا ؟ . قال : نعم . قالت : إذن لا يضيّعنا ، ثمّ رجعت .
فانطلق حتّى إذا كان عند الثّنيّة « 3 » حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ، ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ، ورفع يديه فقال :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
( 37 ) من سورة ( إبراهيم / 14 مصحف ) .
وجعلت أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتّى إذا نفد ما في السّقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوّى ، أو قال يتلبّط « 4 » ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصّفا أقرب جبل من الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثمّ استقبلت الوادي تنظر ، هل ترى
هامش
( 1 ) المنطق : ما يشدّ به الوسط ، ويظهر أنّها كانت تعلّق عليه قماشا طويلا يجرّ وراءها على الأرض ، فيعفّي أثر خطوها على سارة .
( 2 ) الدّوحة : الشّجرة الكبيرة .
( 3 ) الثّنيّة : الطّريق في الجبل .
( 4 ) يتلبّط : أي : يضطّرب على الأرض من شدّة ظمئه .