وفيه عرض مقولة الكافرين الّتي يكرّرونها ، ويتصوّرون أنّها ذريعة مقبولة لجحودهم الحقّ الرّبّانيّ الّذي أنزله اللّه على رسوله ، وهي سؤالهم :
متى يكون قيام السّاعة ، ومتى ينزل بهم ما أنذرهم به الرّسول من عذاب معجّل إذا أصرّوا على عنادهم وكفرهم ، مع بيان الرّدّ الّذي ينبغي أن يردّ به على مماحكتهم الجدليّة الّتي يكرّرونها .
التّدبّر التحليلي :
قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله يبيّن له فيه أنّ رسالته رسالة عامّة شاملة للنّاس أجمعين من كلّ قوم وفي كلّ أرض :
*
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 28 ) :
كافة : لفظ من ألفاظ العموم ، يقال لغة : « جاء النّاس كافة » أي : جميعا .
والمعنى : وما أرسلناك يا محمّد في حال من الأحوال إلّا في حال كونك مرسلا للنّاس أجمعين ، وهذا من قبيل القصر الإضافي ، أي : فمن توهّم أنّك رسول لأهل مكّة ، أو رسول للعرب خاصّة ، فقد جانب الصّواب والحقّ ، إذ أنت رسول للنّاس أجمعين ، ورسالتك عامّة للنّاس أجمعين .
ونفهم باللّزوم العقليّ من هذا ، أنّه يجب على الدّعاة من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يبلّغوا هذا الدّين للنّاس كافّة ، فإذا قصّروا في هذا التّبليغ كانوا جميعا آثمين ، وهذا التّبليغ من فروض الكفاية ، إذا قام به البعض سقط الوجوب عن الآخرين ، وإذا احتاج هذا التّبليغ مساهمة من سائر المسلمين بأموال وأعمال وجب على كلّ منهم أن يساهم على مقدار حاله ، وعلى ذوي السّلطة من المؤمنين المسلمين تدبير الأمور اللّازمة لهذا التّبليغ ، ومنها إعداد الدّعاة إعدادا ملائما لوظيفتهم العظمى .