أن يكفروا به ، ويكذّبوا رسول ربّهم فيما جاء به عنه ، ويحرموا أنفسهم من المجد العظيم الّذي ينبغي أن يدفعهم إلى الافتخار به إذ أنزله اللّه بلغتهم .
وروي عن ابن عباس في تفسير قول اللّه تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
أنّه قال : شرف لك ولقومك .
أقول : هذا المعنى لا يتعارض مع المعنى الأوّل ، وقد عرفنا أنّ العبارات القرآنيّة ، والألفاظ القرآنيّة يمكن حملها على معنيين فأكثر ، إذا كانت ملائمة ولا تعارض بينها ، وكان اللّفظ قابلا عربيّا للدّلالة عليها ، وهذا من ثراء الإيجاز القرآني .
وأرى أنّ الخطاب للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقول اللّه تعالى :
*
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 ) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ . .
( 44 ) هو خطاب له باعتباره رسول الأمّة الممتحنة الخاتمة للأمم ، وباعتباره قائدها وقدوتها ، والخطاب له خطاب لكلّ أمّته الّذين آمنوا به واتّبعوه ، وخطاب أيضا لكلّ الّذين لم يؤمنوا به ولم يتّبعوه من بعد بعثته ، إذ هم مكلّفون أن يؤمنوا به وأن يتّبعوه ، فما أوحى اللّه به إليه ، هو موحى به عن طريقه لكلّ مكلّف من أمّة دعوته .
فالعبارة تتضمّن المعنى التالي :
يا كلّ فرد من أمّة بلاغ الرسول الخاتم للأنبياء والمرسلين ، استمسك بالّذي أوحينا إلى رسولك ، إنّه على صراط مستقيم ، وإنّ القرآن لذكر له ولكلّ قومه الّذين أرسل إليهم عرب وغير عرب إلى أن تنتهي مدّة امتحان النّاس في هذه الحياة الدّنيا ، أطلق عليهم أنّهم قومه على معنى أنّهم قوم دعوته ، لا قوم لغته .
دلّني على هذا المعنى قول اللّه تعالى في آخر الآية ( 44 ) خطابا لكلّ قومه الّذين أرسل رسولا إليهم وهم النّاس جميعا ، والجنّ أيضا :