مؤهّل لها بخصائصه الفكريّة والنّفسيّة ، وبما لديه من خلق عظيم ، وإذعان للحقّ ، وقدرة على ضبط نفسه عن الجنوح والميل إلى مراتع أهل الأهواء والشّهوات ، ولا يعلم من هو مؤهّل إلّا العليم الخبير بخصائص النفوس وخباياها ، وعواطفها ، وحركاتها الإراديّة ، وما فيها من مطالب وتطلّعات .
قول اللّه تعالى مبيّنا أنّ كلّ ما في الدّنيا من متاع يتقاتل النّاس عليه ، ويتنافسون فيه ، حقير لا قيمة له في الحقيقة ، ولولا أن يفتتن النّاس ويكفروا جميعا ، لخصّ الكافرين به فجعل لهم أعظم ما في الدّنيا من متاعات وممتلكات وزينات وزخرف :
*
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
( 35 ) :
أي : ولولا أن يفتتن أكثر النّاس بمظاهر الحياة الدّنيا وزيناتها ، فيكونوا أمّة واحدة كافرة ، لجعلنا لمن يكفر بالرّحمن الممدّ بعطاءات رحمته ، من أقلّ ما يسرّهم من دنياهم إلى أعظم ما يتقاتلون عليه ، ويتنافسون فيه ، أفخم المظاهر والزّينات والمتاعات ، لكن لو فعلنا ذلك لافتتنوا فكفروا ، إذ تدفعهم أهواؤهم وشهواتهم وحبّهم للتّفاخر والتّكاثر ، فتوجّه إراداتهم الحرّة لطلب هذه المظاهر الخادعة الفاتنة ، ولو كان الكفر بالرّحمن هو السّبيل الموصل إليها .
ولهذا لم نخصّ الكافرين بالتّفضيل بمظاهر الحياة الدّنيا وزيناتها ، بل كلّا نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاءاتنا من الدّنيا ، بحسب حكمتنا في امتحان عبادنا في رحلة الحياة الدّنيا دار الابتلاء .
*
لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ :
أي : لجعلنا للّذين يكفرون بالرّحمن ، وخصّ هنا اسم « الرّحمن » من أسماء اللّه الحسنى بالذّكر ، لأنّ عطاءات اللّه في الدّنيا من متاعاتها هي من تجلّيات اسمه « الرّحمن » .