وكلا المعنيين ينطبقان على واقع ما يتّصف به القرآن المجيد ، فهو ظاهر واضح ، ومظهر موضح ، والقسم بالقرآن يدلّ على أنّه آية كبرى من آيات اللّه المعجزة ، وإعجازه يدلّ على أنّه تنزيل من عند اللّه العزيز الحكيم .
قول اللّه تعالى :
*
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
( 4 ) :
هذا البيان هو جواب القسم بالكتاب المبين الّذي هو القرآن المجيد .
يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم فيبيّن أنّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - أنزل الكتاب المبين قرآنا عربيا ، أي : يقرأ بلسان عربيّ ، وخاطب اللّه الناطقين باللّسان العربيّ بقوله :
*
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ :
أي : رغبة في أن تعقلوا .
كلمة « لعلّ » للتّرجّي ، ولمّا كان اللّه عزّ وجلّ عليما بما سيكون من عباده ، فإنّ معنى « التّرجّي » ينافي صفة تحقّق العلم عنده ، لكنّ هذا المرجوّ مرغوب فيه ، إذ هو مطلوب التحقّق ، فكان حمل لفظ « لعلّ » على معنى الرّغبة هو الملائم هنا ، فالمرغوب فيه مطلوب يرجى ، وحين يسقط الرّجاء تبقى الرّغبة .
والعقل عقلان : عقل علميّ ، وعقل إراديّ .
فالعقل العلميّ : ما تدرك به مسائل المعرفة ، وتحفظ معقولة في الذّاكرة ، وتستدعى إلى ساحة التّذكّر الحاضر عند الحاجة .
والعقل الإرادي : ما تضبط به النّفس عن اتباع الأهواء والشهوات