وموصولة بما جاء في الآية ( 13 ) عن الوحي ، وبما جاء في سور « الحواميم » السّابقة عن الوحي ، إذ هي فيما ظهر لي سائرة على خطّ موضوع واحد .
وفي هذه الآية بيان أنواع تكليم اللّه عزّ وجلّ لبشر من عباده ، وأنّها تكون على أنواع ثلاثة ، فيكلّم اللّه من أراد تكليمه بواحد منها أو أكثر ، بحسب مقتضى حكمته جلّ جلاله :
*
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ :
أي : وما جعل اللّه بتقديره وقضائه الحكيم ، أن يكلّم بشرا تكليما ما في الحياة الدّنيا ، إلّا ما جاء استثناؤه في البيان التالي :
*
. . إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ . . :
جاء في هذه العبارة بيان الأنواع الثّلاثة ، الّتي يكلّم اللّه عزّ وجلّ بواحد منها أو أكثر ، من شاء أن يكلّمه من البشر :
النّوع الأوّل : دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ :
إِلَّا وَحْياً :
أي : إلّا أن يلقي اللّه عزّ وجلّ في عمق فؤاد من أراد تكليمه ، الكلام الّذي شاء أن يكلّمه به ، بطريقة تعلمه بيقين لا شكّ فيه أنّ هذا الكلام تنزيل من ربّ العالمين ، انطبع في عمق قلبه ، دون كسب منه ولا اختيار ، ولا سوابق إرادة وعمل فكريّ .
النّوع الثاني : دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ :
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ :
أي :
أو أن يكلّمه كلاما يسمعه بأذنيه نافذا إلى عمق فؤاده من وراء حجاب .
ومن هذا النّوع تكليم اللّه عزّ وجلّ موسى عليه السّلام عند جبل الطّور ، كلاما سمعه بأذنيه ووعاه بقلبه وعيا تامّا ، وأكّدت قرائن آية العصا الّتي انقلبت حيّة تسعى أنّ ربّ العالمين هو الّذي يكلّمه حقّا ، مع شعوره بكيانه كلّه أنّ الحدث أمر ربّانيّ لا تدخّل فيه لقوّة أخرى .