*
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
( 17 ) :
أي : ذلك الجزاء الّذي بيّنّاه في الآية السّابقة جزينا قوم سبأ بسبب كفرهم كفرا هو من الكفر الموغل في الخسّة . وقد دلّ على هذا المستوى المنحطّ قول اللّه تعالى في الآية :
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
( 17 ) الاستفهام يراد به في هذه الجملة النّفي ، أي : ونحن من سنّتنا في عبادنا أنّنا لا نجازي في هذه الحياة الدّنيا مثل هذا الجزاء الّذي أنزلناه بقوم سبأ ، إلّا من كان كفورا ، فدلّ هذا على أنّ هؤلاء القوم قد وصل معظمهم إلى دركة من هو كفور .
الكفور : صيغة مبالغة لاسم الفاعل « كافر » أي : من كان موغلا في ظلمات الكفر ، معاندا مجرما جاحدا للحقّ وهو عالم به .
قول اللّه تعالى متابعا بيان البطر الّذي وصل إليه قوم سبأ من دون الكفر :
*
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
( 19 ) :
قيل : كان للسّبئيّين رحلات تجاريّة إلى قرى بلاد الشّام ، يحملون فيها من مأرب من منتجاتهم الزراعيّة وغيرها في قوافل لبيعها في قرى بلاد الشّام ، ويجلبون من بلاد الشّام ما يحتاج قومهم إليه .
فقرى بلاد الشّام هي القرى الّتي بارك اللّه فيها ، ولمّا كانت رحلاتهم كثيرة ، في قوافل متعدّدة ، كان من مصلحة سكّان البلاد الّتي تقع قريبة من طريقهم ، أن يقيموا مراكز ظاهرة لقوافلهم ولو كانت على شكل قرى صغيرة ، لحطّ رحالهم عندها بغية الاستراحة والتزوّد ، ويستفيد أهل