*
سَيْلَ الْعَرِمِ :
جاء في تفسير العرم عدّة وجوه ، أحسنها فيما أرى أنّ « العرم » اسم للسّدّ في اللّغة ، قال المبرّد : « العرم : كلّ شيء حاجز بين شيئين » ومعلوم أنّ الماء الكثير المخزون وراء السّدّ إذا انهدم السّدّ تدفّق سيلا شديدا لا يطاق صدّه ، ولا يستطيع الناس مقاومته ، فلا وسيلة لهم إلّا الهرب ، وترك كلّ شيء .
ومنها ندرك اختيار كلمة « العرم » من أسماء السّدّ ، لما فيها لغة من معنى الشّدّة أيضا ، يقال لغة : « عرم فلان يعرم عرما » أي : اشتدّ ، وخبث ، وكان شرّيرا . وكذلك « عرم ، يعرم ، عرما ، فهو عرم » أي : صار شديدا شرسا . وعلى هذا يمكن أن تفهم العبارة على الوجه التالي : فأرسلنا عليهم سيل الماء الشّديد العنيف المتدفّق بالوحل ، فمن معاني « عرم الشّيء » كان فيه سواد مختلط ببياض .
وبعد أن أرسل اللّه عليهم سيل العرم ، واتلف مزارعهم ، ودمّر مساكنهم ، وأهلك كثيرا من بهائمهم ، هاجر منهم من هاجر إلى منازل شتّى ، وبقي من بقي منهم على شظف ، يرمّمون ويستصلحون على مقادير طاقاتهم ، وكان حالهم كما وصف اللّه عزّ وجلّ :
*
وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ
( 16 ) :
*
أُكُلٍ خَمْطٍ
وفي القراءة الأخرى : [ أكل خمط ] : الأكل .
والأكل : الثّمر الّذي يؤكل من الشّجر . والخمط : يأتي بمعنى :
الحمل القليل من كلّ شجر . ويأتي بمعنى المرّ من كلّ شيء ، وكلّ نبت أخذ طعما من مرارة . ويطلق على صنف من شجر الأراك له ثمر يؤكل .
قال المبرّد : كلّ شيء تغيّر إلى ما لا يشتهى يقال له : خمط .
هذه المعاني كلّها صالحة لأن تفسّر بها العبارة هنا .
فقراءة :
أُكُلٍ خَمْطٍ
تفسّر بثمر مرّ ، أو فيه مرارة غير محبّبة لا