وكانوا أهل استقامة وسداد ، وحكمة ورشاد .
ثمّ تحوّلوا إلى الشّرّ والإثم والفساد والإفساد .
فسلبهم اللّه عزّ وجلّ ما كانوا فيه من رفاهية ونعم وافرة ، وحياة سعيدة ، إلى ضنك وقلّة ومكابدة وشظف من العيش .
كان لهم في « مأرب » من أرض اليمن سدّ بين جبلين ، أنشأه أجدادهم ، وقد حجروا وراء هذا السّدّ مياه كثيرة من العيون والأمطار ، وأتقنوا بحسب مستواهم الحضاريّ طرق الانتفاع بها لسقي مزارعهم وبساتينهم ولسائر حاجاتهم من الماء .
قيل : إنّ اتّساع مسطّح الماء وراء السّدّ يبلغ نحو فرسخ في فرسخ ، الفرسخ : ثلاثة أميال ، ويقدّر الميل بنحو ( 1609 م طولا ) .
وكان لسبأ جنّتان ، متقابلتان ممتدّتان ، وكانت مساكنهم وقراهم بينهما ، وفي كلّ جنّة منهما بساتين وحدائق كثيرة ومزارع متعدّدة .
قالوا : وقد منح اللّه عزّ وجلّ أرضهم وبلادهم مناخا طيّبا ، وهواء نقيّا .
فلمّا فسدوا سلّط اللّه عزّ وجلّ على سدّهم عوامل هدم ، فانهدم وتدفّق الماء الحبيس وراءه عليهم سيلا شديدا عرما لا يطاق صدّه ولا مقاومته ، فأغرق ديارهم ومزارعهم وبساتينهم ، وأتلف أرزاقهم ، وجعل بدل جنّتيهم النّفيستين ، جنّتين ذواتي أشجار رديئة سيّئة الثّمر ، إلّا قليلا من أشجار السّدر .
وانتقل من انتقل من سبأ إلى مواطن شتّى ، وقالوا إنّ الأوس والخزرج في المدينة من السّبئيّين الّذين هاجروا من اليمن إلى المدينة ( يثرب قبل هجرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إليها ) .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 59
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٩