إليك يا محمّد ، وكان يوحى نظيره إلى الأنبياء والرّسل من قبلك ، أوحينا إليك قرآنا عربيّا ، لتبلّغ وتبيّن وتبشّر وتنذر أهل مكّة أمّ القرى العرب ، ومن حول مكّة من النّاس أجمعين ، عربا وغير عرب ، إمّا بالمباشرة ، وإمّا عن طريق الّذين يؤمنون بك ، ويحملون رسالة تبليغ دين اللّه من أمّتك العرب وغير العرب ، ما تتابعت الأيّام حتّى آخر الأجيال المتتابعة في الأرض .
ومضمون إنذارك في رسالتك يشمل إنذارين :
الأوّل : أن تنذر الكافرين عقاب اللّه المعجّل في الدّنيا ، إذا اقتضت حكمة اللّه أن يعجّل لهم شيئا من العقاب .
الثّاني : أن تنذر الكافرين والعصاة عقاب اللّه وعذابه الذي سوف يكون في الآخرة يوم القيامة يوم الجمع ، بعد أن يحاسبهم ، ويفصل القضاء بشأنهم ، إذ يكون فريق الكافرين في السّعير ، أمّا فريق المؤمنين فيكون في الجنّة منعّما بنعيمها .
وعبارة الإنذارين هي فيما أرى على الوجه التالي : لتنذر كفّار أمّ القرى ومن حولها عقابا معجّلا إذا اقتضت حكمة ربّك ذلك ، وتنذر عقاب اللّه المحقّق يوم الجمع الذي لا ريب فيه ، والّذي يكون فيه النّاس فريقين : أمّا أحدهما ففي الجنّة ، وأمّا الآخر ففي السّعير .
قول اللّه عزّ وجلّ مبيّنا أنّ الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ذوو إرادات حرّة ، وليسوا مجبورين ، ولو كانوا مجبورين لجعلهم اللّه أمّة واحدة مؤمنة :
*
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
( 8 ) :
أي : ولو شاء اللّه أن يجعل الناس أمّة واحدة ، لا يكون فريق منهم