يبلّغوا ما جاء به الرّسول ، لوجد الكافر لنفسه يوم القيامة حجّة يعتذر بها قائلا : لو أنّ اللّه هداني إلى الحقّ وإلى صراطه المستقيم ، بإرسال رسول ، أو إنزال كتاب ، أو تكليف دعاة يبلّغون ما جاء به الرّسول عن ربّه ، لكنت استجبت لدعوة الحقّ ، ولكنت من المتّقين .
فمنع ودفع اللّه اعتذار الكافر بهذا العذر بإرسال الرّسول ، وبيانات الكتاب ، وتكليف الدّعاة من أمّة الرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلّغوا ما جاء به عن ربّه .
السّبب الثالث : ردّ وصدّ أن تقول يوم القيامة نفس كفرت وكذّبت بما بلّغها رسول ربّها ، حين ترى العذاب وهي على أبواب جهنّم أو حين تذوقه :
*
. . . لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
( 58 ) :
« الكرّ » وواحده « الكرّة » الرّجوع إلى الوراء لاستئناف الإقبال إلى الأمام .
« لو » هنا للتّمنّي .
أي : أتمنّى أن يجعل لي ربّي رجعة إلى حياة الابتلاء ، فأكون فيها من المحسنين ، أهل مرتبة الإحسان ، أعلى مراتب المؤمنين ، ظانّا أنّ اللّه ، إن ردّه إلى حياة الابتلاء ، فستبقى في ذاكرته مشاهد يوم الجزاء الأكبر ، لكنّ هذا الظّنّ باطل ؛ لأنّ اللّه لو ردّه إلى حياة الابتلاء ، ولن يردّه ، فسيمسح من ذاكرته كلّ شيء انطبع فيها من مشاهد يوم القيامة ، وحينئذ يكون مثل ما كان عليه قبل أن يموت ويبعث ، ولن يكون حاله إلّا مثل ما كان عليه في الحياة الدّنيا أوّلا ، كفورا جحودا مكذّبا ، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأنعام / 55 نزول ) :
*
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ