تعاملهم مع سلطان ربوبيّتنا عليهم وعلى كلّ شيء في كوننا ، إنّه كما يلي :
إذا مسّ الإنسان ألم ضرّ نزل به ، ولم يجد وسيلة سببيّة لكشف ما نزل به من ضرّ ، دعانا ، إذ هو يعلم أنّه لا يكشف الضّرّ إلّا اللّه ، ولا يجلب الخير إلّا اللّه ، وقد نكشف عنه الضّرّ ضمن مجاري حكمتنا ، ولنثبت له سلطان ربوبيّتنا ، وأنّنا نفعل ما نشاء بأمر التكوين .
ونتركه مدّة مستغرقا في متاعاته من الحياة الدّنيا ، ونمدّه عن طريق الأسباب بما يمتعه من متاعات تسرّه .
ثمّ إذا خوّلناه نعمة منّا تفضّلا عليه ضمن أنظمتنا السّببيّة ، جحد نعمتنا عليه ، وقال متفاخرا بمهارته وعلمه باتّخاذ الأسباب :
ما أوتيت هذا الّذي أملكه من مال أو سلطان أو مجد إلّا بمهارتي ، وبكسبي القائم على علم بفنون الكسب ، ومداخل الحياة ومخارجها ، وطرائق الحيلة بين النّاس لتحقيق ما أصبوا إليه .
فجاء الرّدّ الرّبّاني بقول اللّه تعالى :
*
. . بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ . . :
أي : لم تصل إليك النّعمة بمهارتك وعلمك وحيلتك وفرط اجتهادك ، بل نحن منحناك إيّاها لنبلوك فيما آتيناك ، هل تكون من الشّاكرين ، أم تكون من الكفورين الجحودين .
فتنة : أي : امتحان وابتلاء .
*
. . وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 49 ) :
أي : ولكنّ أكثر النّاس لا يريدون أن يعلموا أنّ ما يستمتعون به في الحياة الدّنيا من نعم ، هو من فضل اللّه عليهم ، إذ ألهمهم اتّخاذ الأسباب الكونيّة ، ويسّرها لهم ، ليصلوا إلى ما يحبّون من دنياهم ، وليبلوهم بها ، هل يكونون من الشّاكرين ، أم يكونون من الكفورين الكنودين الجحودين ؟ .