أمّا الحياة الأخرى بعد البعث فهي حياة جزاء ، وهي حياة خلود وبقاء ، لمن كانوا في الحياة الدّنيا موضوعين موضع الابتلاء ، ولذرّيّاتهم الّذين ماتوا قبل أن يبلغوا سنّ التّكليف ، ولحيّ شاء اللّه أن يجعله خالدا .
وأمّا الأحياء الّتي لم يجعلها اللّه ممتحنة في الحياة الدّنيا بالإيمان بالغيب ، وبالإسلام والطّاعة ، فإنّ اللّه يبعثها ليقيم عدله بينها في التّظالم ، ثمّ يميتها ، ويقول لها كوني ترابا .
وتوكيد الجملة لوحظ فيه صرف أوهام بعض المؤمنين عن توهّم أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتعرّض للموت .
وقد جاء هذا البيان في هذه الآية توطئة للحديث عن البعث الّذي جاء في الآية التّالية :
قول اللّه تعالى خطابا للنّاس جميعا بعد أن أبان أنّهم ميّتون :
*
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
( 31 ) :
*
تَخْتَصِمُونَ :
أي : يخاصم بعضكم بعضا ، وهذا الاختصام يشمل بعمومه ما بين الخصماء من حقوق كان قد ظلم بعضهم فيها بعضا ، في الأموال ، أو الأنفس ، أو الأعراض ، أو غير ذلك .
ويشمل أيضا التّخاصم بين الّذين كانوا في الدّنيا أتباعا ضالّين ، وبين قادتهم وأئمّتهم ، إذ كانوا يطيعونهم ويأتمرون بأوامرهم ، وينفّذون مكايدهم ، وهو ما جاء بيانه في الآية ( 33 ) من سورة ( سبأ / 58 نزول ) وقد سبق تدبّرها .
جاء التّعبير بحرف العطف ( ثمّ ) للدّلالة على الفاصل الزّمنيّ المتراخي ، بين الموت وبين المثول في محكمة العدل والفصل الرّبّانيّة يوم الدّين ، بعد البعث .