وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
( 52 ) :
أكثر ما ورد لفظ التّناوش في محاولة الإبل الشّرب من الحوض الّذي يبعد ماؤه عن مدّ أعناقها ، حتى تصل إلى الماء أوائل مشافرها ، فتمتصّ الماء شيئا فشيئا بكلفة ومجاهدة .
فقد تكون هذه العبارة قد استعملت على سبيل الاستعارة ، بتمثيل حركة الكافرين يوم الدّين ، للوصول إلى مطلوبهم ، وهو الخلاص من العذاب الّذي قضى به اللّه عليهم ، بنوق تمدّ أعناقها للوصول إلى ماء حوض بعيد عنها بعدا شاسعا ، وهي شديدة الظمأ .
ولا يخفى ما في هذه الاستعارة من تصوير رائع لحالة نفوسهم المشرئبّة لتحقيق مطلوب قضى اللّه بأن يحرمهم منه .
رابعا :
من الفنون البلاغيّة الاستقطاع ، وهو استقطاع النصوص من أزمانها الماضية ، أو المستقبلة ، وعرضها بألفاظها ، دون الإشارة إلى أنّه كان كذا فيما مضى ، أو سيكون كذا فيما سيأتي .
ومن أمثلة هذا الاستقطاع في السورة ما يلي .
المثال الأول : قول اللّه عزّ وجل بشأن داود عليه السّلام :
*
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
( 10 ) .
عبارة :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ
من الاستقطاع من الماضي .
المثال الثاني : قول اللّه تعالى بشأن عمل الجنّ لسليمان :
*
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
( 13 ) .