وكان من الحكمة إذ أسلما وأطاعا ، وأتمّا امتحانهما بنجاح باهر ، أن يوقف اللّه التّنفيذ ، إذ لم يكن في تقديره وقضائه أن يذبح الوالد الرّحيم ولده الحليم ، إنّما كان الغرض امتحانهما ، وقد نجحا فيه نجاحا عظيما ، أوقف اللّه تنفيذ الذّبح ، وهذا فيما أرى جواب « لمّا » المطويّ في المثاني .
* قال اللّه تعالى :
*
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
( 107 ) :
إنّ إيقاف تنفيذ الذّبح بأمر ربّانيّ ، ربّما كان موجّها من جبريل عليه السّلام ، تبعه نداء ، تفسيره : يا إبراهيم قد صدّقت الرّؤيا ، أي : إنّ التّكليف في الرّؤيا كان ذا حدّ يقف قبل تنفيذ الذّبح بإدخال حدّ السّكّين في المذبح من الرّقبة ، وقد طابق ما فعله إبراهيم عليه السّلام ما جاء في الرّؤيا التّكليفيّة فصدّقه ، وبهذا انتهت حدود التكليف ، وقد كان هو وابنه من المحسنين تسليما للّه ، فالأب قد قهر أعظم عواطفه طاعة لأمر ربّه ، والابن قد قهر حبّه للحياة ، فأسلم نفسه للذّبح كما تذبح الشّاة ، طاعة لأمر ربّه ، وانتهت بما فعلا حدود التكليف .
*
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ :
أي : قدّرنا وأمرنا بإيقاف عمليّة الذبح جزاء مرضيا لهما وسارّا لقلوبهما ، وكذلك الجزاء السّامي الذي أنعمنا به عليهما نجزي سائر المحسنين ، الّذين يحسنون مثل إحسانهما .
*
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
( 106 ) : أي : إنّ هذا الامتحان الذي امتحنّا به إبراهيم وإسماعيل ، لهو الامتحان الجليّ الظّاهر ، الّذي اجتازه كلّ منهما بنجاح باهر ، ووصف البلاء بأنّه مبين للدّلالة على أنّه لا يخفى على أحد .
وجاء توكيد هذه الجملة بالمؤكدات : « إنّ - والجملة الاسمية ، ولام الابتداء المزحلقة للخبر » .