تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
هل يقبل هذا عقلا ؟ ! . إنّه لا يقدّم دليلا ما غير الاستفهام التّعجّبيّ الاستغرابيّ الّذي لا يتضمّن إلّا إنكار غير المألوف ، مع أنّ الحياة الأخرى للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ، قد قام لإثباتها دليل العقل المستند إلى صفات ربوبيّة الرّبّ العليم الحكيم القدير ، وإلى دليل الخبر الذي جاء به رسل اللّه بلاغا عنه ، وهو خالق الكون ، وواضع خطّة حياة الابتلاء وحياة الجزاء بقضائه وقدره ، قبل أن يبرأ الأنفس ، وقبل أن يخلق الجنّ والإنس ويضعهم في الحياة الدّنيا موضع الامتحان . وإذ كان المؤمنون في الجنّة ممكّنين بوسيلة ما من أن يطّلعوا على أهل النّار ، وهم يعذّبون فيها ، وممكّنين من أن يحادثوهم ، أفرادا أو جماعات ، فقد قام في نفس القرين المؤمن أن يطلع جلساء أنسه في الجنّة ، على قرينه الّذي كان في الدّنيا يحرّضه على التّكذيب بيوم الدّين ، فعرض عليهم عرضا تخييريّا : *
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
( 54 ) على قريني الكافر الّذي سأطّلع عليه وأحادثه ؟ « اطّلع يطّلع على الشيء » أي : أشرف عليه ناظرا إليه . قالوا : نعم ، أعمل جهاز الاطّلاع على المعذّبين في الجحيم .
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
( 55 ) : أي : في وسط النّار لأنّه كان كافرا ومات كافرا ، فهو يعذّب بالحريق بالنّار ، فحادثه وتعارفا بمقتضى الصّحبة الّتي كانت بينهما في الدّنيا ، وبالوسيلة الّتي يرى ويسمع كلّ منهما الآخر .
قالَ
المؤمن المنعّم في الجنّة للكافر الّذي كان قرينة في الدّنيا :
تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ
أي : أقسم لك بالقسم العظيم إنّك كدت بإغراءاتك وإغواءاتك لتسقطني معك في هاوية عذاب الجحيم ، إذ كنت تحرّضني