إنّكم اليوم عاجزون ، لا تستطيعون أن تدفعوا عن أنفسكم عذابا ما ، ولا أن تحقّقوا لأنفسكم مطلوبا ما ، إنّكم اليوم تحت سلطان القهر والجبر ، وليس لكم حرّيّة اختيار لشيء ما .
إنّ واقع حالهم مطابق لما أبانته الآية التّالية :
*
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
( 26 ) :
أي : هم لا يفكّرون في التّناصر ، لعلمهم أنّهم عاجزون ، بل هم اليوم مستسلمون استسلاما تامّا ، شعورا منهم بأنّهم مسلوبو كلّ قوّة يحقّقون بها ما يدفع عنهم عذابا ، أو يجلب لهم نفعا .
حرف
بَلْ
هنا يعطف على محذوف كما هو واضح في الفهم التّدبّريّ الّذي سبق .
بعدئذ يقدّم النّصّ صورة حوار بين الأتباع الضّالّين ، والقادة المضلّين ، فقال اللّه تعالى :
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 27 إلى 32 ]
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 29 ) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ( 30 ) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ( 31 )
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ( 32 )
حوار تنازعيّ بين الضّالّين من أهل الشّمال ، بعد الحكم عليهم بأنّهم من أصحاب الجحيم ، وبين الّذين كانوا في الدّنيا أئمّتهم ، وقادتهم ، ومغويهم ، والسّاعين في إغرائهم حتّى يكونوا جنود ضلال وغواية لهم .
*
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ
وهم الأتباع في الدّنيا
عَلى بَعْضٍ
وهم الأئمّة والقادة الّذين كانوا يغوونهم في الدّنيا
يَتَساءَلُونَ
أي : يتحاورون تحاورا تنازعيّا مفتاحه السّؤال يوجّه من أحد الفريقين المتحاورين للآخر ، فيجيب الفريق الآخر ، وقد يتبع إجابته بسؤال يوجّهه للفريق الأوّل ، فأطلق على التّحاور التّنازعيّ : « التّساؤل » .