أي : وقل لهم بعد أن تقيم عليهم الحجّة القاطعة لجدلهم القائم على المغالطة ، أنتم بين حالتين :
الأولى : اتّباع الظّنّ الضّعيف الّذي لا يرجّح قضيّة فكريّة ، فهو ساقط لا يصحّ عقلا الاعتماد عليه ، دلّ عليها :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
أي : ما تتّبعون إلّا الظّنّ التّوهّميّ الضّعيف السّاقط .
الثانية : اختلاق الكذب ، دلّ عليها :
وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
أي :
وما أنتم إلّا تكذبون . الخرص : الكذب ، في كلّ ما جاء في القرآن منه .
*
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
( 149 ) :
أي : فإذا كشفت مغالطتهم ، وأبنت سقوط حجّتهم ، ودمغتهم بالبرهان السّاطع ، فقل لهم : فللّه الحجّة البالغة ، أي : البالغة غاية إحقاق الحقّ وإبطال الباطل .
أمّا قولكم : لو شاء اللّه ما أشركنا ولا أشرك من قبلنا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء من الأنعام والحرث . تعنون أنّ اللّه هو الّذي جعلكم مجبورين على هذا ، وقد أبنّا لكم أنّكم كاذبون في هذا الادّعاء ، فإنّنا نقول لكم ببيان من ربّكم :
لو شاء ربّكم أن يجعلكم مجبورين ، لسلبكم إراداتكم الحرّة ، ولما وضعكم موضع الامتحان ، وعندئذ لجعلكم بالفطرة مؤمنين ، مسلمين مهديّين بالجبر أجمعين ، ولرفع عنكم المسؤوليّة والجزاء ، ولجعلكم كالملائكة ، لا تعصون اللّه ما أمركم ، بل تفعلون ما تؤمرون به .
فاللّه ربّكم لا يرضى لعباده الكفر والضّلال ، فهو جلّ جلاله وعظم سلطانه لا يخلق مخلوقات مفطورة مجبورة على الكفر به ، والضّلال عن صراطه المستقيم .