وقبل الإرشاد إلى مجادلتهم أبان اللّه أنّهم كاذبون في ادّعاء الجبر ، أي : بل لهم إرادات حرّات في اختياراتها ، وهم مسؤولون عمّا يختارون في حيواتهم مسؤوليّة تامّة . وقد سبقهم إلى إطلاق مثل هذا الكذب المشركون من قبلهم من الأمم السّالفة .
إنّ مقولتهم الكاذبة تعتمد على ستر الضّدّ الثّالث الوسط بين ضدّين متباعدين ، سترا فيه مغالطة يكتشفها المناظر الجدليّ الحكيم .
إنّهم جعلوا القضيّة متردّدة بين احتمالين :
الاحتمال الأوّل : أن يجعل اللّه الإنسان مجبورا على الكفر ومنه الشّرك ، وعلى لوازم الكفر في السّلوك .
الاحتمال الثّاني : أن يجعل اللّه الإنسان مجبورا على الإيمان والإسلام ، ولوازمهما في السّلوك .
فقالوا : لو شاء اللّه ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا من قبلنا ، ولو شاء ما حرّمنا ما حرّمناه من الأنعام .
وبما أنّ القضيّة تتردّد بين احتمالين ، فيلزم من هذا عقلا أنّ اللّه هو الّذي شاء أن نكون مشركين ، وأن نحرّم ما حرّمنا من الأنعام ، فجعلنا بالجبر كذلك ، فإراداتنا مجبورة على أن نكون على ما نحن عليه عقيدة وسلوكا ، وهذا يقتضي عجزنا عن تغيير واقعنا الّذي نحن عليه ، فلا حساب علينا ولا جزاء فيما هو ليس من اختياراتنا .
حجّة زخرفيّة باطلة تعتمد على المغالطة .
إنّهم ستروا الاحتمال الثّالث : وهو أن يجعل اللّه الإنسان ذا إرادة حرّة ، يختار بها ما يشاء لنفسه من إيمان أو كفر ، وعمل صالح وعمل سيّئ ، وطاعة للّه أو معصية له ، واللّه يخلق له ما اختار هو لنفسه بإرادته الحرّة غير المجبورة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 465
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٦٥