فالمعنى : واتركوا يا أيّها المؤمنون كلّ ما أبنّا ونبيّن لكم أنّه إثم ، وكلّ ما نهيناكم عن فعله أو عن تركه نهي تحريم ، ما كان منه ظاهرا معلنا ، وما كان منه باطنا غير معلن ، ومنه أعمال القلوب والنفوس .
إنّ الّذين يكسبون الإثم بفعل ما نهوا عن فعله نهي تحريم ، وترك ما أمروا بفعله أمر إيجاب ، سيجزون في الدّنيا أو في الآخرة بما كانوا يقترفون ، أي : يكتسبون من إثم عن إرادة جازمة للمعصية ، وقصد غير عفويّ لارتكابها ، أخذا من صيغة « يفتعل » الدّالّة على القصد المقرون ببذل طاقة مجلوبة جلبا إراديّا .
والباء في
بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ
سببيّة ، أي : بسبب ما كانوا يكتسبون .
ولمّا كان من ظاهر الإثم أكل الميتة الّتي حرّم اللّه عزّ وجلّ الأكل منها ، ولمّا كان من باطن الإثم أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه ، كالّذي أهلّ به لغير اللّه ، وهو الموضوع الّذي يدور حوله البيان في هذا الدّرس ، خاطب اللّه الّذين آمنوا في الآية الأخيرة منه بقوله تعالى :
*
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
( 121 ) :
جاء في الآية ( 145 ) الّتي فصّل اللّه عزّ وجلّ فيها المحرّمات من المطاعم من الحيوانات ، قوله تعالى :
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ :
أي :
أعلن ذابحه أنّه يذبحه قربانا لغير اللّه ، كوثن يعبده ، أو ميّت يتقرّب بذبيحته إليه .
أصل معنى إهلال الذّابح بذبيحته ، أن يرفع صوته ذاكرا اسم من يقدّم ذبيحته قربانا له .
ومن هذا يظهر أن المراد بما لم يذكر اسم اللّه عليه ما أهلّ به لغير اللّه برفع الصّوت عند ذبحه ، ذاكرا ذابحه اسم من يقدّم ذبيحته قربانا