بالبقاء ، وتصاريفه فيكم ، ومراقبته لكم ، مصاحبات لكم في كلّ الواحدات الزّمنيّة الصغرى الّتي تمرّ عليكم ، فلستم خارجين عن محيط ربوبيّته لكم ، النّافذة آثارها إلى أعماق كلّ ذرّة من ذرّاتكم .
فمن أبصر ما جاءكم من ربّكم ، وآمن به ، وأسلم للّه قياده ، فأطاعه عاملا بما أمر بفعله ، وتاركا ما نهى عن فعله ، فلمصلحة نفسه ونجاته وفوزه عنده يوم الدّين قد أبصر .
ومن عمي باختياره الحرّ ، فلم يعبأ بما جاءكم من ربّكم ، ولم يبصره ، ولم يستجب لدعوته ليظفر بنجاته وفوزه عند ربّه يوم القيامة ، فعلى نفسه جنى ، إذ دفع بها إلى الخلود يوم الدّين في عذاب السّعير ، وبئس ذلك المصير .
استعمل الفعل
أَبْصَرَ
بمعنى فهم وتفكّر واستجاب لدعوة الحقّ الرّبّانيّة ، لأنّ هذه لوازم الإبصار السّليم لدى أهل العقل والرشد ، وهو استعارة .
واستعمل الفعل
عَمِيَ
بمعنى أعرض وأدبر فلم يتفكّر ولم يفهم ولم يستجب لدعوة الحقّ الرّبّانية ، فكان بمثابة الأعمى باختياره الحرّ ، وهو استعارة .
وكلّف اللّه عزّ وجلّ رسوله أن يقول لقومه الّذين لم يستجيبوا لدعوة الحقّ الرّبّانية :
. . . وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
( 104 ) :
الحفيظ : الحارس على الشيء الموكّل بحفظه ممّا قد يتعرّض له من شرّ .
أي : أرسلني ربّي إليكم لأبلّغكم رسالاته ، ولم يرسلني حفيظا عليكم ، حتّى أجبركم على سلوك صراط اللّه المستقيم ، وأحميكم من شرور أنفسكم ، فأنتم موضوعون في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ،