الآفلين ، الّذين يظهرون ويغيبون ، ولا أحبّ عبادة أحد منهم .
ذكرهم بجمع العقلاء ، مراعاة لاعتقاد مشركي قومه ، بأنّ آلهتهم أرباب عالمة حيّة ، تتصرّف بأحداث ما في النّاس ، وفي سائر الأحداث في الأرض .
يقال لغة : « أفل النّجم ، يأفل ، أفلا ، وأفولا » أي : غاب ، فهو « آفل » .
قدّم إبراهيم عليه السّلام دليلا على عدم صحّة كون شيء ما ربّا ، أن يتعرّض بعد ظهوره ومشاهدته للأفول ، وإذا لم تكن له ربوبيّة فلا تكون له إلهيّة بوجه من الوجوه ، إلّا أن يأمر الرّبّ الحقّ بعبادته ، وهذا لم يكن في رسالة ربّانيّة صحيحة .
وأفهم من استدلال إبراهيم عليه السّلام أنّه يقول لقومه : إنّ من يحضر فيرى ويغيب فلا يرى ، إمّا أن يكون حضوره وغيابه بإرادته ، وإمّا أن يكونا بغير إرادته .
فإذا كانا بإرادته ، فهو إنّما يحضر ليصرّف أحوال مربوبيه ذوي الحاجة الدّائمة لربوبيّته ، لكنّه إذا غاب لم يكن لمربوبيه حظّ من تصاريف ربوبيّته ، فيفسد بذلك نظام الخلق . فدلّ هذا على أنّ الّذي يغيب بعد حضور لا يصلح لأن يكون ربّا ، فهو لا يصلح لأن يكون إلها معبودا ، ولهذا فأنا لا أحبّ أن أتّخذ لنفسي ربّا إلها لا يصلح للرّبوبيّة ولا للإلهيّة .
وإذا كان حضوره وغيابه بغير إرادته فهو بالبداهة لا يصلح لأن يكون ربّا ولا إلها ، وهذا هو الّذي يدلّ عليه نظام الكواكب والنّجوم في السّماء ، إنّها جميعا تحضر وتغيب بغير إرادتها ، فهي مربوبة لربّ واحد يخضع لصفات ربوبيّته كلّ موجود في السّماوات والأرض .
هذا الدّليل نفسه استخدمه إبراهيم عليه السّلام مع قومه ، حين انتقل
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 308
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٠٨