وتدرّج مع قومه في إسقاط ربوبيّة أيّ كوكب أو نجم في السّماء ، وإسقاط إلهيّته ، وهو يتحدّث معهم باحثا عن الرّبّ الّذي يجب أن يعبده في كواكب السّماء ونجومها ، وبعد أن أدرك عدم صلاحيّة أيّ كوكب أو نجم لأن يكون هو الرّبّ الّذي يستحقّ أن يعبد ، أعلن إيمانه بالفاطر الغيبيّ الّذي لا تدركه الأبصار ولا تحسّ بذاته الحواسّ ، الّذي فطر السّموات والأرض ، والّذي لا يشاركه في ربوبيّته شيء ، فلا يشاركه في إلهيّته شيء ، وأعلن انعطافه عن اعوجاج قومه عن الحقّ ، وبذلك يستقيم على صراط اللّه ، وأعلن أنّه ليس من المشركين .
وحاجّه قومه فيما توصّل إليه من إيمان بالحقّ الذي أعلنه لهم ، وخوّفوه من الضّرر الّذي ستنزله به آلهتهم الّتي أعلن كفره بها ، فقال لهم :
أتحاجّونني بباطلكم في اللّه الحقّ الّذي هداني بالدّليل البرهانيّ الّذي لا ربّ في الوجود غيره ، فلا إله في الوجود سواه ، فأنا مستمسك بما هداني إليه اللّه .
ولا أعبأ لما تخوّفونني منه ، إذ ترون أنّ آلهتكم ستنزل بي ضرّا ، لأنّني كفرت بأنّ لها مشاركة للّه في ربوبيّته أو في إلهيّته ، وإنّني على يقين بأنّها لا تستطيع أن تفعل شيئا لم يشأه اللّه ، فالأمر في كلّ الكون أمره ، والسّلطان سلطانه .
وتعجّب عليه السّلام من تخويفهم له ممّا لا يخاف منه ، ومن عدم خوفهم هم من عذاب اللّه ، وقد أشركوا به ما لم ينزّل به عليهم سلطانا ، وقال لهم : فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن ؟ وشرح لهم بأنّ الأمن إنّما يستحقّه الّذين آمنوا باللّه ربّهم ، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك به ، وأبان لهم أنّ هؤلاء هم المهتدون .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 304
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٣٠٤