تمهيد :
آيات هذا الدّرس من فروع السّاق الأوّل من ساقي شجرة موضوع السّورة ، وفيها عرض لقطات من دعوة إبراهيم عليه السّلام الجدليّة لقومه ، وهي في الحقيقة تتضمّن جدالا لكلّ المشركين بأسلوب التّعريض ، لا بأسلوب المواجهة المباشرة .
وتتضمّن أيضا تعليما جداليّا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وللدّعاة إلى اللّه من أمّته .
والمتأمّل في جدليّات إبراهيم عليه السّلام لقومه يدرك ما فيها من براعة أسلوب ، وقوّة حجّة ، وإعلان صريح عمّا يؤمن به ، وإلزام لهم بالحقّ .
قوم إبراهيم عليه السّلام من الصّابئين :
جاء عند مؤرّخي أديان الأمم ، أنّ قوم إبراهيم عليه السّلام كانوا من الصّابئين الّذين كانوا يتوهّمون أنّ بعض الكواكب والنجوم لها تأثير ربوبيّة في أحداث الأرض ، فيتّخذون أصناما على هيئات يتخيّلونها لها ، ويعبدونها من دون اللّه ، ولهذا كانت دعوة إبراهيم الجدليّة ترتكز على إبطال ربوبيّة وإلهيّة النّجوم والكواكب ، وبيان سقوط عبادة الأصنام سقوطا فكريّا فاحشا مرفوضا لدى كلّ أهل العقل والرّشد ، وسار في محاجّته لهم على مقادير ما يفهمون ، وعلى مقادير ما لديهم من موازين عقليّة مقبولة لديهم .
فدعا أباه إلى نبذ شركه القائم على عباده الأصنام ، ووجّه له استنكاره الشّديد في هذه الدّعوة ، بعد أن كان قد تلطّف به في دعوة سابقة جاء بيانها في الآيات من ( 41 - 48 ) من سورة ( مريم / 19 مصحف / 44 نزول ) وقد سبق تدبّرها .