* [ أندعو ] : أي : أنعبد ، ومعلوم أنّ الدّعاء بمعنى السّؤال والطّلب لدفع ضرّ أو جلب نفع هو من العبادة . وقد تكرّر في القرآن استعمال فعل « دعا ، يدعو » بمعنى : العبادة .
والاستفهام هنا استفهام تعجّب واستنكار مقرونين ببيان برهاني ، وهو أنّ آلهتكم الّتي تدعوننا لعبادتها لا تنفعنا بشيء إذا عبدناها ، ولا تضرّنا بشيء إذا تركنا عبادتها ، فهل من العقل والرّشد أن نعبدها ، وهذا حالها .
يضاف إلى هذا أنّنا إذا عبدناها حلّ بنا ضرر عظيم ، إذ نردّ به على أعقابنا خائبين خاسرين ، منذرين بعذاب خالد في الجحيم من قبل اللّه ربّ العالمين ، بعد أن سلكنا الصّراط المستقيم الموصل لنا إلى جنّات النّعيم يوم الدّين ، حين هدانا اللّه عن طريق دعوة رسوله بلاغا عنه ، وهدانا ببيانات آيات كتابه .
*
وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا :
العقب : عظم مؤخّر القدم ، وهو أكبر عظامها . وآخر كلّ شيء . والرّدّ : المنع ، والصّرف ، والإرجاع . ويقال :
« ردّ فلان فلانا على عقبه » أي : دفعه لينقلب رأسه إلى جهة عقبه . ويقال :
« ارتدّ على عقبه » أي : ارتدّ منقلبا على عقبه ، وراجعا إلى خيبة بعد أن كان سائرا إلى ما يرجو منه نفعا وخيرا . وقد تكرّر في القرآن مثل هذا التعبير :
يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ
-
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ
-
انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
-
إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ .
ويظهر لي أنّ صيغة هذه العبارات وأمثالها صارت بمثابة المثل الدّالّ على الانقلاب من الحال الحسنة إلى الحال السّيّئة ، ومن الخير إلى الشّرّ ، ومن الارتقاء إلى الانتكاس ، ومن الصّلاح إلى الفساد .
فردّ الرّأس على العقب انتكاس قد يكون مهلكا ، وقد يكون مسقطا في هاوية سحيقة ، إلى شرّ وعذاب أليم .