والمعنى : ثمّ بعد أن نغرقكم بالرّيح القاصف ، لا تجدون من يطالب من أوليائكم بالثّأر منّا ، لعجزه عجزا تامّا عن ذلك .
من هذا الّذي يستطيع مقاضاة ربّ العالمين أو مساءلته ، أو الثّأر منه إذا أهلك بعض عباده ، أو أهلكهم كلّهم ، وهم جميعا عبيده ، ونواصيهم بيده ، وحياتهم وموتهم خاضعان لأمر التكوين ، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن . فهو يكون فورا .
وختم اللّه هذا الدّرس بقوله عزّ وجلّ :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
( 70 ) :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
: يؤكّد ربّنا - جلّ جلاله وعظم سلطانه - أنّه كرّم بني آدم ، أي : فضّلهم ، ورفع شأنهم بين خلقه .
التكريم : يأتي بمعنى التفضيل ، ويأتي بمعنى التعظيم ، ويأتي بمعنى منحه الصّفات النّفيسة الّتي امتاز بها على غيره .
وإذا نظرنا إلى بني آدم وقارنّاهم مع المخلوقات الحيّة المشهودة لنا ، وجدنا أنّ جملة صفاتهم في التكوين الرّبّاني هي أسمى وأنفس من صفات سائر الأحياء المدركة بالحواس .
إنّ صفات الإنسان النّفسيّة ولا سيما ما لديه من أجهزة العلم والتفكير والإرادة الحرّة ، صفات يمتاز بها على سائر الموجودات الحيّة المدركة ، وهذه ميزات ظاهرة لا تحتاج تفصيلا ولا إقامة برهان عليها .
وجسد الإنسان في تقويمه العامّ أحسن الأجساد الحيّة المشهودة تقويما .
وتفضيل اللّه آدم على الملائكة وإبليس الجنّ بالعلم ، وأمر اللّه لهم بالسّجود لآدم ، بعد تفوّقه في مباراة علم أسماء الأشياء الّذي يشمل