فالمعنى : ربّكم أيّها النّاس الّذي يهيمن عليكم دواما بصفات ربوبيّته ، المتصرّفة بكم وبالكون كلّه ، في كلّ حركة وسكون ، وزيادة أو نقص ، وتغيير أو تحويل ، هو الّذي يسوق لكم برفق مراكبكم البحريّة ، حين تستخدمونها في تنقّلاتكم البحريّة مستوين على ظهورها ، لتطلبوا باستخدامها مطلوبات مختلفات من دنياكم ، وهو يحقّقها لكم من فضله ، لأنّه جلّ جلاله رحيم بكم دواما في حياة الابتلاء الّتي وضعكم فيها .
جاء هذا البيان منبّها على عنصر من عناصر الإيمان ، بشأن جزئيّة من جزئيات تصاريف اللّه عزّ وجلّ في كونه ، توطئة لكشف أنّ الإنسان الّذي يترعرع بفضل اللّه الدّائم عليه ، كفور لنعم ربّه عليه ، يلتجىء إليه لتحقيق مطالبه ، ولا سيما إذا مسّه الضّرّ ، فإذا كشف اللّه عنه الضّرّ أعرض عن ربّه ، ولم يعبأ بأن يؤدّي واجب الشّكر له .
وأتبع اللّه هذا الكشف ببيان إقناعيّ حكيم للكفورين من الناس .
قول اللّه عزّ وجلّ متابعا خطاب الناس :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
( 67 ) :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ . .
: أي : وإذا اشتدّت الرّياح تحرّك الفلك يمينا وشمالا وأنتم فيها ، واضطّربت أمواج البحر اضطرابا شديدا ، وخفتم من الغرق .
سمّى اللّه عزّ وجلّ هذا مسّا ، لأنّ الضّرّ لم ينزل بعد ، وإنّما بدأت أياديه تمسّ مسّا يخاف من بعده نزول الضّرّ براكبي الفلك ، إذ تغرق أو تتحطّم فيغرقون .
. . . ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ . . .
( 67 ) : أي : ضاع وانعدم كلّ مدعو تدعونه من آلهة من دون اللّه ، إذ لا أحد منها يستجيب دعاءكم ،