تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
أنّه قد جاء في مواضع من القرآن استعمال حرف « على » للإشارة إلى أنّه قد تسبّب في أن ينزل العقاب منصبّا عليه من فوقه ، وكلّ ما يقضيه اللّه جلّ وعلا ، له العلوّ والفوقيّة دواما . قول اللّه عزّ وجلّ :
. . فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً
( 7 ) : ما جاء في هذه الآية ( 7 ) ينبغي تدبّره مع قول اللّه عزّ وجلّ عقب بيان لقطات موجزات جدّا من قصّة موسى عليه السّلام وفرعون عليه اللّعنة ، وبعد بيان أنّ فرعون أراد أن يستفزّ بني إسرائيل من الأرض الّتي هم فيها في مصر ، فأغرقه اللّه ومن معه :
وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً
( 104 ) : أي : وقلنا قولا تكوينيّا مسبوقا بقدر فقضاء . اتّجهت آراء المفسّرين إلى أنّ المراد بهذه الآية : اسكنوا أرض فلسطين ، فإذا جاء وعد الحياة الآخرة يوم القيامة جئنا بكم لفيفا ، لكني كما سبق أن ذكرت أرى أنّ هذه الآية ( 104 ) مكمّلة للبيان الّذي جاء في الآية ( 7 ) على طريقة القرآن في توزيع عناصر قضايا القصص والأحداث المستقبليّة على نصوص مفرّقة ، لتفهم فهما تكامليّا من قبل من يفتح اللّه عليهم متدبّرين . والمعنى : فإذا جاء وقت تحقيق عقوبتكم على إفسادكم العريض في المرّة الآخرة ، جئنا بكم من مواقع تفرّقكم في الدّنيا إلى فلسطين ، بتدبيرات أنتم تتّخذونها ، ظانّين أنّها تحقّق لكم ما تريدون من سلطان ، وملك عظيم ، فتكونون في فلسطين لفيفا من أخلاط شتّى قادمة من شرق الدنيا وغربها وجنوبها وشمالها ، وبعد ذلك نبعث عليكم عبادا لنا يغلبونكم