إذا أمعنّا النّظر في كلّ هذا وتدبّرنا ما يدلّ عليه إلماحا ظهرت لنا الحقائق التالية :
الحقيقة الأولى : أنّ اللّه عزّ وجلّ فضّل محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، على موسى عليه السّلام ، بمنّة الإسراء والمعراج وبمكالمته بالوحي إليه في السّماء السّابعة أو عند سدرة المنتهى ، وبمنّة مشاهدات جليلات لبعض آياته العظمى ، في مقابل منّة اللّه على موسى إذ ناداه وكلّمه بجانب الطّور تكليما ، وإذ قرّبه نجيّا .
الحقيقة الثانية : أنّ اللّه عزّ وجلّ فضّل محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أنزل عليه القرآن المعجز الجامع لزبدة ما أنزل في كتبه السابقة ، والخاتم لكتبه للناس ، والمحفوظ بحفظه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - في مقابل كتاب التوراة الّذي آتاه اللّه موسى عليه السّلام ، وجعله هدى لبني إسرائيل ، ولهذا لم يتكفّل اللّه بحفظه .
ومعلوم أنّ القرآن المجيد أجمع لصفات الكمال من التوراة ومن كلّ كتاب أنزله على رسول من رسله .
الحقيقة الثالثة : أنّ اللّه عزّ وجلّ أعلم بني إسرائيل فيما أنزل على موسى ، وربّما على غيره من رسل بني إسرائيل ، بأنّهم غير صالحين لحمل رسالة اللّه للنّاس ، لأنّ تاريخهم المستقبليّ الّذي سبق في علم اللّه المحيط بكلّ شيء علما ، ما كان ، وما هو كائن ، وما سيكون ، أنّهم سيفسدون في الأرض حريصين على العلوّ فيها ، وأنّ ذلك يكون بإراداتهم الحرّة الّتي لا مجبر لها ، وبأنّ اللّه عزّ وجلّ وحكم فعدل سيسلّط عليهم إلى يوم القيامة كلّما أفسدوا في الأرض إفسادا عريضا ، من يسومهم سوء العذاب .
ولهذا لم يصطفهم لهذا المجد العظيم ، وهو أن يحملوا رسالة تبليغ
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 545
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٤٥