وظاهر أنّ الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم يتحدّث عن بناء إبراهيم عليه السّلام للكعبة ، لا عن تأسيسها الأوّل في تاريخ البشر .
وقد أنزل اللّه عزّ وجلّ على رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن خاتمة كتبه للناس ، وجمع فيه زبدة ما في كتبه للأوّلين ، ومنها التوراة الكتاب الرّبّاني الّذي آتاه اللّه موسى عليه السّلام ، ففي القرآن كلّ البيانات والتعليمات الرّبّانيّة السّابقة في كتبه ، وكلّ الأحكام الّتي لها صفة الدّوام ، لا صفة التعليمات والأحكام الزّمنيّة المرحليّة المتتابعة ، أو صفة الأحكام العلاجيّة لأمّة من الأمم ، كالأحكام العلاجيّة التي فرضها اللّه على بني إسرائيل بسبب ظلم منهم .
ومن الأمثلة على هذا اشتمال سورة ( الإسراء ) على الوصايا العشر الّتي كتبها اللّه عزّ وجلّ لموسى في الألواح ، مع وصايا أخرئ مضافة ، وبيانات مفصّلات .
ومن الأمثلة أيضا بيان ما أعلم اللّه به بني إسرائيل في التوراة ، بشأن تاريخهم المستقبليّ ، وما سيكون منهم من إفساد في الأرض ومن علوّ كبير فيها ، وكيف أنّ اللّه يعاقبهم عقابا شديدا بعدله وحكمته .
وألمح جلّ جلاله إلى أنّ علّة أجيال بني إسرائيل النفسيّة أنّهم متشبّهون بحب العاجلة ، فهم في الغالب منهم يحبّون العاجلة ويذرون الآخرة ، فينفقون كلّ ما لديهم من طاقات ، وكلّ ما لديهم من ذكاء وحيلة ومكر ، في الحصول على متاع الحياة الدّنيا .
واقتضى البيان الحكيم الّذي تفهم منه وحدة الرّسالات الرّبّانيّة ، التوجّه لدعوة بني إسرائيل وكلّ أهل الكتاب وغيرهم إلى الدّخول في الإسلام الدّين الرّبّاني الخاتم ، ومعالجتهم معالجات مبدئيّة ، تمهيدا للمعالجات الموسّعات الّتي ستكون بعد هجرة الرّسول إلى
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 522
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٢٢