دعاني إلى هذا الفهم ما جاء في الوصية الثالثة من النّهي عن الشّرك ، ودعاء غير اللّه من الشّرك إذا حملنا اللّفظ على المتبادر منه ، وبهذا تكون الوصيّة الرابعة تكرارا للوصية الثالثة : أو بمثابة التكرار لها .
أمّا الفهم الّذي ظهر لي فهو يضيف نهيا جديدا ذا دلالة خاصّة .
وجاء في النّصّ بعد هذه الوصايا الأربع بيان أربع قضايا إيمانيّة ، هي من أركان الإيمان الكبرى ، تأصيلا لها ، وربطا لفروع الإسلام بها .
القضية الأولى : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
:
أي : لا معبود بحقّ في الوجود كلّه إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وكلّ معبود من دون اللّه فليس له إلهيّة مطلقا ، بل الإلهيّة المدّعاة له باطلة ومفتراة على اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه .
القضية الثانية : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
:
هالك : أصل الإهلاك في اللّغة الإماتة . ويقع أيضا على إفناء الأشياء واستئصالها .
وقد دلّت النّصوص على أنّه يبقى من الإنسان لا يفنى عجب الذّنب ، ومنه تكون نشأته الأخرى عند البعث ، فالفناء العامّ بمعنى إعدام كلّ شيء غير مراد ، فلا بدّ من فهم ( هالك . على معنى ) : « ميّت » وتكون العبارة على تقدير : كلّ شيء حيّ سيكون أو سوف يكون هالكا أي : ميّتا ، حتّى أهل الملأ الأعلى ، ومنهم « جبرائيل ، وإسرافيل ، وميكائيل » فلا يبقى في الوجود حيّ غير اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه .
[ إلّا وجهه ] : أطلق لفظ الوجه ، والمراد كلّ ذاته ، تبارك وتعالى ، مراعاة لما يفهمه المخلوقون ، من إطلاق أكرم شيء فيهم وهو الوجه على كلّ ذواتهم في استعمالاتهم ، وهو من إطلاق البعض وإرادة الكلّ على سبيل المجاز المرسل .