ناداه اللّه عزّ وجلّ بأداة النداء « يا » للإشارة إلى بعد منزلة الرّبّ عن منازل عباده .
وأبان له بعد النداء أنّ الشّأن العظيم الجليل الّذي أطالبك بأن تدركه وتؤمن به ، بعد تنزيه اللّه وتقديسه والعلم بأنّه ربّ العالمين والإيمان بكلّ ذلك ، أن تؤمن بأنّي أنا هو اللّه ، وأنا العزيز الحكيم .
أي : أنا المتصرف بالكون بصفات ربوبيتي ، ضمن صفتي عزّتي وحكمتي ، فأنا العزيز الحكيم :
العزيز : أي : القوي الغالب القدير على خلق ما يشاء ويختار .
الحكيم : أي : ذو الإرادة الحكيمة النافذة ، فلا تفارق مشيئتي المطلقة حكمتي في تصاريفي بالعالمين ، فأقدّر مقاديري ، وأقضي أقضيتي وأنفّذها بحكمة بالغة .
قول اللّه عزّ وجلّ مبينا بعض ما كلّم به موسى عليه السّلام بعد القضايا الثلاث السّابقة :
وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 11 ) :
وَأَلْقِ عَصاكَ
: أي : ادفع عصاك إلى الأرض دفعة واحدة .
الإلقاء : هو في اللّغة بمعنى دفع الشيء مرّة واحدة على طريقة القذف أو الرّمي ، لا بأسلوب الوضع برفق .
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ
: أي : فقلبها اللّه عزّ وجلّ حيّة تسعى بأمر التكوين ، فلمّا رآها موسى عليه السّلام حيّة تهتزّ كأنها جانّ ولّى مدبرا ولم يعقّب .