ويقال : « وكزه ، يكزه وكزا » : أي : ضربه بجمع يده على ذقنه .
أقول : لا بدّ أن يكون موسى قد بدا له أنّ القبطيّ هو المعتدي الظّالم للإسرائيليّ ، بعد أن حاول أن يصالح بينهما ، مع ما في نفسه من ضغينة على مستعبدي قومه بغير حقّ . لكنّ المصريّ بدأ يتطاول بالهجوم القتاليّ على الإسرائيليّ ، وموسى يفصل بينهما ، وربما تطاول على موسى ، وثارت حفيظة موسى ، فأراد أن يدفع المصريّ عن الإسرائيليّ ، وكان ذا قوّة شديدة فوكز المصريّ بجمع يده على ذقنه ، فسقط بها المصريّ قتيلا ، وهذه من الكبائر الكبرى عند رجال القصر الفرعوني ، أن يقتل إسرائيليّ مصريّ .
فَقَضى عَلَيْهِ
: أي : فقتله ، عبارة جرى بها الاستعمال للدّلالة على هذا المعنى . يقال في الاستعمال العربي : « ضربه فقضى عليه » أي :
فقتله .
. . . قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
( 15 ) :
لمّا رأى موسى عليه السّلام المصريّ قتيلا ، لام نفسه على حدّة نفسه وتسرّعه وضربه المصري ضربة قصد بها دفعه ولم يقصد قتله ، وذكر أنّ ما جرى معه من تسرّع ، قد كان من نزغ الشّيطان ، لا من عقل ورويّة وبصيرة .
ووصف الشيطان بأنّه عدوّ مضلّ واضح الإضلال للإنسان ، ليخرجه عن صراط اللّه المستقيم .
وأدرك موسى أنّ وظيفته في مثل هذه الحالة أن يكون مصالحا بين الخصمين ، لا أن يكون قاضيا وحاكما ومنفّذا حكمه ، إذ ليس من حقّه وهو فرد من أفراد الرّعيّة ، ولو في دولة كافرة ، أن يجعل نفسه حاكما ومنفّذا أحكامه ، إذ لا تتعدّى صلاحيّات أيّ فرد من أفراد الرّعيّة في مثل هذه الحالة حدود الإصلاح بين المتخاصمين ، أمام أسس الحقّ الواجب الّتي تتّفق عليها العقول ، ونزلت بها شرائع اللّه لعباده .