للنّاس أو لرجال الأمن أنّ رجلا عابرا شهد خصومته مع المصري ، فأراد أن يصالح بينهما ، فدفع القبطيّ بيده دفعة واحدة سقط بها قتيلا .
فحمد موسى ربّه على أن أنعم عليه بستر ما جرى منه ، ولعلّه أدرك أنّ الإسرائيليّ قد يكون في حقيقة أمره مجرما مذنبا غير صاحب حقّ كامل ، فدعى ربّه قائلا :
رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
( 17 ) .
لكنّ موسى لم يطمئنّ قلبه لعدم اكتشاف أنّه هو الّذي قتل المصريّ في مكان ما من أسواق المدينة ، فأصبح في اليوم الثاني خائفا يترقّب أقوال النّاس وإشاعاتهم ، ويخشى أن يشير أحد إليه ، وأنّه هو الّذي كان قد دخل أسواق المدينة في أوائل اللّيل المنصرم ، قبل سقوط القتيل .
وشاءت ألطاف اللّه العليّ الحكيم أن يبتعد عن مصر إلى مدين ، فأجرى مقاديره الخفيّة ، فشهد في أوّل النّهار أنّ الإسرائيليّ الّذي كان طلب نصرته بالأمس ، فنتج عن نصرته له سقوط المصريّ قتيلا بدفعة دفعه إيّاها بجمع يده ، يستصرخه اليوم لنصرته ضدّ مصريّ آخر يخاصمه ويقاتله ، فقال موسى للإسرائيليّ :
. . . إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
( 18 ) .
وأدرك المصريّون الشهود من هذا ، أنّ موسى هو الّذي انتصر للإسرائيليّ بالأمس ، وأنّه هو الّذي قتل المصريّ ، وأخذ النّبأ يشيع .
فأراد موسى أن ينتصر للإسرائيليّ ، فلمّا أقبل نحو المصريّ راغبا في أن يبطش به ، قال له المصريّ :
يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ
( 19 ) .