تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وقد جاء النّطق بها مرّتين بعد هذا في النّصّ في :
فَقُلْ إِنَّما أَنَا
وفي :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
. إنّه لمّا كان الدّعاة البشريّون الّذين يدعون إلى مبادئ وأنظمة هم يضعونها ، ولا يطبّقونها على أنفسهم ، بل يحملون النّاس على تطبيقها لمصالحهم ، كان من واجب الدّعاة إلى اللّه وفي مقدّمتهم الرّسول أن يعلنوا أنّهم مأمورون من ربّهم بعبادته ، ومأمورون كسائر النّاس بأن يكونوا من المسلمين للّه . ولمّا كان مشركو مكّة يعظّمونها ويعتقدون أنّ اللّه جعلها حرما حراما لا ينفّر صيدها ، ولا يختلى خلاها ، ولا يقطع شجرها ، ولا يتعرّض فيها لأحد بأذى أو ضرّ ، بل يؤمّن داخلها ، وكان المشركون مع اعتقادهم حرمة هذه البلدة ، يخالفون معتقدهم فيتّعرّضون للرّسول ولمن آمن به بالأذى والتعذيب والاضطهاد ، في الأنفس والأرزاق ، كان من الحكمة في أساليب الدّعوة أن يعلن الرّسول لهم ، أنّه مأمور بأن يعبد ربّ هذه البلدة الّذي حرّمها . وبدهيّ أنّ اللّه ربّ هذه البلدة هو الآمر له بهذا ، أي : فأطيعوا ربّ هذه البلدة الّتي تفتخرون بأنّكم أهلها وحماتها على سائر قبائل العرب ، والّذي أكسبكم هذا المجد الموروث من عهد النّبيّين الرّسولين إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السّلام ، ومن طاعتكم لربّ هذه البلدة أن تؤمنوا برسوله ، وبالقرآن الّذي ينزّله عليه ، وأن تتّبعوه مسلمين للّه ربّكم ، لا مستكبرين ولا متّبعين لأهوائكم ، وتقاليدكم العمياء ، وعابدين لأوثان لا تنفعكم ولا تضرّكم بشيء . هذه المعاني كلّها تفهم من اللّوازم الفكرية لقوله لهم .
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها
وفي هذه العبارة