ويطلق لفظ « الهدى » على إخراج شيء من شيء آخر ، ومن عموم هذا الإخراج نفهم الإخراج من الظّلمات إلى النور ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن الباطل إلى الحقّ ، ومن الشّرّ إلى الخير ، ونحو ذلك .
وَرَحْمَةٌ
: أي : والقرآن رحمة من اللّه عزّ وجلّ للنّاس ، إذ أبان لهم صراط سعادتهم في الدنيا ، وصراط نجاتهم من عذاب يوم الدّين ، وظفرهم بالنّعيم الخالد في جنّات النّعيم ، فهو أثر من آثار رحمة اللّه بعباده .
رحمة اللّه عزّ وجلّ : صفة من صفاته على ما يليق بجلاله ، وهي تستلزم الإنعام والإكرام والإحسان ، ويكون من آثارها بحسب حكمته - جلّ جلاله - العفو والغفران ، ويكون من آثارها بيان الدّين الّذي تتحقّق باتّباعه سعادة الناس .
لِلْمُؤْمِنِينَ
: هذا قيد لكون القرآن هدى ورحمة . أي : إنّ الّذين ينتفعون من كون القرآن هدى ورحمة ، هم المؤمنون بكلّ ما جاء فيه ، بعد استيفائهم الإيمان بكلّ أركان الإيمان وعناصرها ، فهم يتابعون آيات القرآن بالإيمان الصّحيح الصّادق ، الّذي من شأنه أن يدفعهم إلى العمل بأحكامه وشرائعه ، وعندئذ يكون لهم هدى ، وعندئذ يسعدون بعطاءات رحمته .
إنّ بيانات القرآن ، وتعليماته ، ووصاياه ، تعرّف بالحقّ والباطل ، وتوضّح المسافة الفاصلة بينهما ، حتّى لا تختلط حدودهما ، فلا يقع من يهتدي به في حمأة الباطل وهو يحسبه حقا . وتعرّف بطريقي الخير الشّرّ ، وطريقي الفجور والتقوى ، وطريقي الصلاح والفساد ، من السّلوك الإنسانيّ الظاهر والباطن . وتوضّح الحدود والفواصل بين هذه الطّرق ، فلا يقع من يهتدي بهدي القرآن في أوحال الشرّ والفجور والفساد وأوضارها وخبائثها .