بحسب تصوّر قومه العرب للشّعراء ، وما يسهل لديه أن ينظم الشّعر ويقرضه ، لأنّنا لم نجعل من صفات نفسه القدرة على نظم الشّعر .
ويمكن أن ندرك أنّ الحكمة من عدم هبة نفسه القدرة على نظم الشّعر ، سدّ ذريعة الّذين لا يؤمنون بدعوته ، إذ لو كان شاعرا بفطرته لوجدوا رواجا لاتّهامهم إيّاه بأنّ النّزعة الشّعريّة في نفسه ، هي الّتي جعلته يتخيّل تخيّلات النّبوّة ، وجعلته يتطلّع إلى صناعة البيان الرّفيع ، وأنّ القرآن من صنعه وإبداعاته .
يضاف إلى هذا ما في نفوس معظم الشّعراء الفحول ، واسعي الخيال ، من استعداد للدّخول هائمين في كلّ واد من أودية الكلام ، مهما كان واديا سحيقا هابطا إلى أوحال غير أخلاقية ، فيها الكذب ، والرّياء ، والنّفاق ، والهجاء الفاحش ، والثّناء بغير حقّ ، والاستجداء ، والتغزّل بالعفيفات الشريفات ، المشعر برضاهنّ ، وبأنّهنّ يشاركن الشاعر الهوى ، ولهنّ معه لقاءات غير محمودة .
أمّا القرآن فما هو إلّا كتاب منزّل من ربّ العالمين ، ليتبلّغه النّاس ، ويتفهّموه ، ويعوه ، ويحفظوه ، ثمّ ليتذكّروا منه ما يلائم الحالة الّتي يكون كلّ واحد منهم عليها ، ولينذر به الرّسول وكلّ داع إلى اللّه من أمّته من كان ذا حياة قلبيّة ، تؤثّر فيه ما اشتمل عليه القرآن من إنذارات ، أمّا موتى القلوب بالأهواء والشّهوات وزينات الحياة الدّنيا ، والكفر بالحقّ الرّبّانيّ ، فيحقّ عليهم قول اللّه بأنّهم من المعذّبين الخالدين في الجحيم يوم الدّين .
فأبان هذا النصّ أنّ الرّسول ليس شاعرا ، ولا يملك موهبة الشّعر ، وأنّ الشّعر لا ينبغي له ، وأبان أنّ القرآن ليس شعرا ولا مذهبا من مذاهب الشّعر ، وإنّما هو كتاب منزّل من ربّ العالمين ، ليكون ذكرا لمن يتلقّاه مؤمنا به .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 752
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧٥٢