« المسحّر » هو الذي سحر مرّة فمرّة حتّى صار مخبّلا وفسد عقله .
وفي العبارة قصر بأداة « إنّما » أي : ما أنت إلّا من المسحّرين ، وهو من قسم القصر الإضافي ، أي : ليس لك من الصّفات بالإضافة إلى ادّعائك الرّسالة ، وبياناتك في دعوتك ، إلّا أنّك مسحّر من المسحّرين .
فاتّهم كبراء أصحاب الأيكة رسولهم شعيبا عليه السّلام بأنّه مسحّر ، وليس مجرّد مسحور ، أي : إنّ السّحر الّذي سلّط متتابعا عليك قد جعلك مختلّ العقل مخبّلا ، وبسبب ذلك تواجه كبراء قومك بما يسوؤهم ، دون أن تقدّر خطورة ما تواجههم به من أقوالك .
القضيّة الثانية : دلّ عليها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنهم بقوله :
وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا . . .
( 186 ) :
وهذه أيضا نظير الّتي اعترضت بها ثمود على رسولهم صالح عليه السّلام ، والّتي سبق تدبّرها قريبا .
أي : ليس لك من الصّفات الشّخصيّة الخارجة عن نظام البشر في طعامهم وشرابهم ونكاحهم ، ما يؤهّلك لأن تكون نبيّا تتلقّى الوحي عن اللّه ربّ العالمين ، ولأن تكون رسولا تحمل رسالة منه وتبلّغنا إيّاها .
وعلى مثل هذا تعلّل كفّار الأمم السّابقة لشعيب عليه السّلام ، ومن كانوا بعده ، إذ زعموا أنّ البشريّة لا تصلح للنبوّة ، ولا لتلقّي رسالة ربّانيّة ، وهذا من جهلهم وعدم تقديرهم ربّهم حقّ قدره ، إذ هو القادر على أن يخصّ بعض عباده بما يشاء على ما يشاء .
وقد سبق تدبّر النّصوص القرآنيّة المتعلّقة بموضوع « بيان اعتراض الأمم على بشريّة الرّسل في القرآن » في الملحق الثالث من ملاحق تدبّر سورة ( يس / 36 مصحف / 41 نزول ) « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر المجلّد السادس ، الصفحات من ( 263 - 281 ) .