فيها ، ولا نفع فيها ، والاشتغال ببنائها وإنفاق الأموال فيها عبث لا فائدة فيه ، وهذا يدلّ على أنهم كانوا أهل بناء حضاري ، وكانوا يتفاخرون ببناء الآيات المرتفعات ، كالتماثيل الّتي يصنعها بعض الملوك والرؤساء لأنفسهم ، وينصبونها في مواضع بارزة من الطّرق والميادين ، ليشهدها الغادون والرائحون ، وكالمسلّات الّتي كان قدماء المصريّين ينصبونها ، للتفاخر بسلطانهم ، وعظمة ملكهم .
إنّها لو كانت أبنية حضاريّة نافعة ، لما لامهم رسولهم هود عليه السّلام عليها ، بل هي أبنية يبنونها لمجرّد التفاخر والتعاظم ، فهي عبث لا نفع فيه .
العبث : هو العمل فيما ليس له فائدة ترجى منه ، فتضيع الطّاقة المبذولة فيه دون تحقيق مصلحة تقصد من قبل أهل العقل والرّشد .
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
( 129 ) : أرى أنّ الكلام هنا مستأنف ، أو هو معطوف على كلّ الجملة السّابقة ، وليس الاستفهام التلويمي مسلّطا على
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ،
لأنّ اتّخاذ المصانع الّتي اتّخذوها ليس من قبيل العبث ، بل فيها مصالح للحياة الدّنيا .
أي : وأنتم تتّخذون مصانع ، ألعلّكم تخلدون .
المصانع : جمع مفرده « المصنعة » و « المصنع » وهي كلّ ما يصنع من أبنية ، وقصور ، وحصون ، وأحواض مياه ، ونحوها .
قال الأصمعيّ : العرب تسمّي القرى ( أي : كلّ مجمّع سكني ) مصانع ، واحدتها مصنعة .
فالمعنى : وأنتم قد أنعم اللّه عزّ وجلّ عليكم نعما وفيرة ، من مظاهرها أنّكم تبنون مدنا وقرى وقصورا وحصونا وأحواض مياه ، وهذه أنستكم الموت والدار الآخرة بعد البعث ، فتركتم العمل فيما يقيكم عذاب