ومع هذا التّمنّي يلمح نوح عليه السّلام إلى أنّهم ما زالوا في جهالة مطبقة ، إذ لم يصلوا بعد إلى مرحلة الشّعور بأولى الحقائق الّتي يدعوهم إلى الإيمان بها .
وطالبه كبراء قومه ومعهم أوساطهم ، بأن يطرد هؤلاء الّذين اتّبعوه مؤمنين به ، وبما جاء به عن اللّه ربّ العالمين ، وهم الذين وصفوهم بأنّهم الأرذلون ، واعتبروا طرده لهم شرطا لقبول اتّباعه والإسلام له ، دلّ على هذا المطلب من مطالبهم قوله الذي حكى اللّه معناه بقوله عزّ وجلّ :
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
( 114 ) : زيدت « الباء » في
بِطارِدِ
للتوكيد .
طارد : اسم فاعل من فعل « طرده ، يطرده ، طردا » أي : نحّاه وأبعده ومنعه من الاقتراب ، استخفافا به ، أو عقابا له .
لم يقل نوح عليه السّلام : وما أنا بطاردهم ، وإنما قال :
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
( 114 ) لأمرين :
الأمر الأول : إرادة التعميم .
الأمر الثاني : بيان الدّاعي الذي يوجب عليه أن يمتنع عن طردهم ، وهو وصف الإيمان .
أي : وما أنا بطارد أيّ فرد أو جماعة دخلوا في سلك جماعة المؤمنين ، إذ الإيمان يجعلهم من الأمّة الرّبّانيّة ، مهما كان وضعهم الاجتماعي قبل ذلك ، ومهما كان سلوكهم من قبل ، فالإسلام يجبّ ما قبله .
وأخيرا أبان نوح عليه السّلام لقومه وظيفته الّتي أمره اللّه أن يقوم بها تجاه المكذّبين الجاحدين ، فقال لهم ما حكاه اللّه عنه بقوله تعالى :
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 115 ) : « إن » حرف نفي بمعنى « ما » . أي :